منفى (4)/ طباق

محمود درويش

112 verses

Era:
العصر الحديث
Meter:
التفعيله
  1. 1
    [B][إلى إدوارد سعيد][/B]◆نيويورك / نوفمبر / الشارعُ الخامسُ /
  2. 2
    الشمسُ صَحْنٌ من المعدن المتطاير /◆قُلْتُ لنفسي الغريبة في الظل:
  3. 3
    هل هذه بابل أم سدوم؟◆هناك، على باب هاوية كهربائيَّةٍ
  4. 4
    بعُلوِّ السماء، التقيتُ بإدوارد◆قبل ثلاثين عاماً،
  5. 5
    وكان الزمان أَقَلَّ جموحاً من الآن◆قال كلانا:
  6. 6
    إذا كان ماضيك تجربةً◆فاجعلِ الغَدَ معنى ورؤيا!
  7. 7
    لنذهبْ إلى غدنا واثقين◆بصدق الخيال، ومعجزة العشبِ/
  8. 8
    لا أَتذكَّر أنَّا ذهبنا إلى السينما◆في المساء. ولكنْ سمعْتُ هنوداً
  9. 9
    قدامى ينادونني:◆لا تَثِقْ بالحصان، ولا بالحداثِة /
  10. 10
    لا, لا ضحيَّةَ تسأل جلاّدها:◆هل أَنا أَنت؟ لو كان سيفيَ
  11. 11
    أكبرَ من وردتي, هل ستسأل◆إن كُنْتُ أَفعل مثلَكْ ؟
  12. 12
    سؤالٌ كهذا يثير فُضُولَ الروائيِّ◆في مكتبٍ من زجاج يُطلُّ على
  13. 13
    زنبق في الحديقة... حيث تكونُ◆يَدُ الفرصيّة بيضاءَ مثل ضمير
  14. 14
    الروائيّ, حين يُصَفِّي الحساب◆مع النزعة البشرية: لا غَدَ
  15. 15
    في الأمس، فلنتقدَّمْ إذاً! /◆قد يكون التقدُّمُ جسرَ الرجوع
  16. 16
    إلى البربريَّة.../◆نيويورك. إدوارد يصحو على كسل
  17. 17
    الفجر. يعزف لحناً لموتسارت. يركض◆في ملعب التنس الجامعيّ. يفكّر في
  18. 18
    هجرة الطير عبر الحدود وفوق الحواجز.◆يقرأ ((نيويورك تايمز)) يكتب تعليقَهُ
  19. 19
    المتوتّر. يلعن مستشرقاً يرشد الجنرال◆إلى نقطة الضعف في قلب شرقيّة.
  20. 20
    يستحمُّ. ويختار بدلَتهُ بأناقة دِيكٍ.◆ويشرب قهوته بالحليب. ويصرخ
  21. 21
    بالفجر: هيّا، ولا تتلكَّأ /◆على الريح يمشى. وفي الريح
  22. 22
    يعرف مَنْ هُوَ. لا سقف للريح.◆لا بيت للريح. والريح بُوصلةٌ
  23. 23
    لشمال الغريب.◆يقول: أَنا من هناك. أَنا من هنا
  24. 24
    ولستُ هناك، ولستُ هنا◆لِيِ اسمانِ يلتقيان ويفترقان
  25. 25
    ولي لُغتان, نسيت بأيَّهما◆لي لُغَةٌ إنجليزيَّةٌ للكتابة،
  26. 26
    طيِّعةُ المفردات,◆ولي لغةٌ من حوار السماء مع
  27. 27
    القدس، فضيَّةُ النَّبْرِ، لكنها◆لا تُطيعُ مخيّلتي!
  28. 28
    والهويَّةُ؟ قلتُ◆فقال: دفاعٌ عن الذات...
  29. 29
    إنَّ الهويةَ بنتُ الولادة, لكنها◆في النهاية إبداعُ صاحبها, لا
  30. 30
    وراثة ماضٍ. أَنا المتعدِّد. في◆داخلي خارجي المتجدِّدُ... لكنني
  31. 31
    أَنتمي لسؤال الضحيَّة. لو لم◆أكن من هناك لدرَّبْتُ قلبي
  32. 32
    على أن يُربِّي هناك غزال الِكنايَةِ.◆فاحملْ بلادك أَنَّى ذَهَبْتَ...
  33. 33
    وكُنْ نرجسيّاً إذا لزم الأَمرُ /◆منفىً هو العالم الخارجيُّ
  34. 34
    ومنفىً هو العالم الداخليُّ◆من أَنت بينهما؟
  35. 35
    لا أُعرِّفُ نفسي تماماً◆لئلاّ أُضيِّعها. و أَنا ما أَنا
  36. 36
    وأنا آخري في ثُنَائيّةٍ◆تتناغم بين الكلام وبين الإشارةْ.
  37. 37
    ولو كنت أكتب شعراً لقلت:◆أنا اثنان في واحد
  38. 38
    كجناحَيْ سُنُونُوّةٍ ,◆إن تأخَّر فَصْلُ الربيع
  39. 39
    اكتفيتُ بحمل البشارةْ◆يحبُّ بلاداً, ويرحل عنها
  40. 40
    [هل المستحيل بعيد؟]◆يحبُّ الرحيل إلى أيِّ شيء
  41. 41
    ففي السفر الحر بين الثقافات◆قد يجد الباحثون عن الجوهر البشريّ
  42. 42
    مقاعدَ كافيةً للجميع.◆هنا هامش يتقدَّم. أو مركز يتراجع
  43. 43
    لا الشرقُ شرقٌ تماماً◆ولا الغربُ غربٌ تماماً
  44. 44
    لأن الهويَّةَ مفتوحةٌ للتعدُّد◆لا قلعةً أو خنادقَ/
  45. 45
    كان المجازُ ينام على ضفّة النهر،◆لولا التَلَوُّثُ،
  46. 46
    لا حْتَضَنَ الضفَّةَ الثانيةْ◆هل كتبتَ الروايةَ؟
  47. 47
    حاولتُ... حاولت أن أستعيد بها◆صورتي في مرايا النساء البعيدات،
  48. 48
    لكنهن توغَّلْنَ في ليلهنَّ الحصين◆وقلن : لنا عالم مستقلٌّ عن النصّ
  49. 49
    لن يكتب الرجلُ المرأةَ اللغزَ والحُلْمَ◆لن تكتب المرأةَ الرجل الرمز والنجمَ
  50. 50
    لا حُبَّ يشبه حباً◆ولا ليل يشبه ليلاً
  51. 51
    دعونا نُعدِّدْ صفات الرجال ونضحكْ!◆وماذا فعلتَ؟
  52. 52
    ضحكت على عبثي◆ورميتُ الروايةَ في سلة المهملات!
  53. 53
    / المُفَكَّرُ يكبَحُ سَرْدَ الروائيّ◆والفيلسوف يُشَرِّحُ وَرْدَ المُغَنّي /
  54. 54
    يحبُّ بلاداً ويرحل عنها:◆أنا ما أكون وما سأكون
  55. 55
    سأصنع نفسي بنفسي◆وأختار منفايَ
  56. 56
    منفايَ خلفيّةُ المشهد الملحميّ◆أُدافع عن حاجة الشعراء
  57. 57
    إلى الغد والذكريات معاً◆وأدافع عن شَجَرٍ ترتديه الطيورُ
  58. 58
    بلاداً ومنفى◆وعن قمر لم يزل صالحاً لقصيدة حُبّ
  59. 59
    أُدافع عن فكرة كسرتها هشاشةُ أصحابها◆وأدافع عن بلد خَطَفَتْهُ الأساطيرُ /
  60. 60
    هل تسطيع الرجوعَ إلى أي شيء؟◆أمامي يجرُّ ورائي ويُسرع...
  61. 61
    لا وقت في ساعتي لأخُطَّ سطوراً◆على الرمل. لكنني أستطيع زيارة أمس،
  62. 62
    إذا استمعوا في المساء◆إلى الشاعر الرَّعَوِيِّ:
  63. 63
    [فتاةٌ على النبع تملأ جَرَّتها◆بحليب السحابْ
  64. 64
    وتبكي وتضحك من نَحْلَةٍ◆لسعت قلبها في مهبِّ الغيابْ
  65. 65
    هل الحُبُّ ما يوجع الماءَ◆أَم مَرَضٌ في الضبابْ..؟
  66. 66
    إلى آخر الأُغنية]◆إذن، قد يصيبك داءُ الحنين؟
  67. 67
    حنينٌ إلى الغد ... أبعد أَعلى◆وأَبعد. حُلْمي يقود خُطاي. ورؤيايَ
  68. 68
    تُجلْسُ حُلْمي على ركبتيّ كقطِّ أَليف.◆هو الواقعيُّ الخياليُّ وابن الإدارة:
  69. 69
    حتميَّة الهاويةْ!◆والحنينُ إلى أمس؟
  70. 70
    عاطفةٌ لا تَخُصُّ المفكِّر إلاَّ◆ليفهم تَوْقَ الغريب إلى أدوات الغياب
  71. 71
    وأَمَّا أنا، فحنيني صراعٌ على حاضرٍ◆يُمْسِكُ الغَدَ من خِصْيَتيه
  72. 72
    ألم تتسلّلْ إلى أمس, حين ذهبتَ◆إلى البيت بيتك، في حارة الطالبيّة؟
  73. 73
    هَيَّأتُ نفسي لأن أَتمدَّد في◆تخت أُمي، كما يفعل الطفل حين يخاف
  74. 74
    أَباه. وحاولت أن أستعيد ولادة◆نفسي, وأَن أَتتبَّع درب الحليب
  75. 75
    على سطح بيتي القديم، وحاولتُ أن◆أتحسِّس جلدَ الغياب ورائحةَ الصيف
  76. 76
    من ياسمين الحديقة. لكن وحش الحقيقة◆أَبعدني عن حنين تلفَّتَ كاللص خلفي
  77. 77
    وهل خفت؟ ماذا أخافك؟◆لا أستطيع لقاء الخسارة وجهاً
  78. 78
    لوجه. وقفت على الباب كالمتسوّل.◆هل أطلب الإذن من غرباء ينامون فوق
  79. 79
    سريري أنا... بزيارة نفسي لخمس دقائق؟◆هل أَنحني باحترام لُسكان حلمي الطفوليِّ؟
  80. 80
    هل يسألون : مَنِ الزائرُ الأجنبيُّ◆الفضوليُّ؟ هل أستطيع الكلام عن
  81. 81
    السلم والحرب بين الضحايا وبين ضحايا◆الضحايا، بلا جملة اعتراضيّةٍ؟ هل
  82. 82
    يقولون لي: لا مكان لحلمين في◆مَخْدَع واحدٍ؟
  83. 83
    [لا أَنا، أَو هُوَ◆ولكنه قارئ يتساءل عمَّا
  84. 84
    يقول لنا الشعرُ في زمن الكارثةْ]◆في اسمي وفي اسمك، في زهرة
  85. 85
    اللوز، في قشرة الموز, في لبن◆الطفل، في الضوء والظلّ, في
  86. 86
    حبة القمح، في عُلبة الملح /◆قَنَّاصَةٌ بارعون يصيبون أَهدافهم
  87. 87
    هذه الأرض أَصغرُ من دم أبنائها◆الواقفين على عتبات القيامة مثل
  88. 88
    القرابين. هل هذه الأرض حقاً◆مباركةٌ أَم مُعَمَّدَّةٌ
  89. 89
    لا تُجفِّفُه الصلوات ولا الرمل.◆لا عَدْلَ في صفحات الكتاب المُقَدَّس
  90. 90
    يكفي لكي يفرح الشهداءُ بحريّة◆المشي فوق الغمام. دم في النهار.
  91. 91
    دم في الظلام. دم في الكلام.◆يقول: القصيدةُ قد تستضيفُ الخسارة
  92. 92
    خيطاً من الضوء يلمع في قلب جيتارة.◆أو مسيحاً على فرس مثخناً بالمجاز
  93. 93
    الجميل. فليس الجماليّ إلاّ حضورَ◆الحقيقيِّ في الشكل /
  94. 94
    في عالم لا سماء له, تصبح الأرضُ◆هاويةً. والقصيدة إحدى هبات العزاء
  95. 95
    وإحدى صفات الرياح، شماليةً أو جنوبيةً.◆لا تَصِفْ ما ترى الكاميرا من جروحك.
  96. 96
    واصرخ لتسمع نفسك، واصرخ لتعلم◆أنك ما زلتَ حيّاً وحيّاً، وأن الحياة
  97. 97
    على هذه الأرض ممكنةٌ. فاخترع أملاً◆للكلام، ابتكرْ جهةً أو سراباً
  98. 98
    يطيل الرجاء،◆وغنِّ، فإنَّ الجماليَّ حريَّةٌ /
  99. 99
    أقول: الحياة التي لا تعرّف إلا◆بضدَّ الموت... ليست حياة
  100. 100
    يقول: سنحيا، ولو تركتنا الحياةُ◆إلى شأننا. فلنكن سادة الكلمات
  101. 101
    التي سوف تجعل قُرَّاءها خالدين◆على حدّ تعبير صاحبك الفذِّ ريتسوس /
  102. 102
    وقال: إذا متُّ قبلك◆أُوصيكَ بالمستحيلْ!
  103. 103
    سألت: هل المستحيل بعيد؟◆فقال: على بعد جيلْ
  104. 104
    سألت: وإن متّ قبلك؟◆قال: أُعزِّي جبال الجليلْ
  105. 105
    واكتب: ((ليس الجماليُّ إلاّ بلوغَ◆الملائم)). والآن، لا تنس:
  106. 106
    إن متُّ قبلك أوصيك بالمستحيلْ◆عندما زرتُهُ في سَدُومَ الجديدةِ،
  107. 107
    في عام ألفين واثنين، كان◆يقاوم حَرْبَ سَدُومَ على أهل بابل
  108. 108
    والسرطان معاً،◆كان كالبطل الملحميِّ الأخير
  109. 109
    يدافع عن حَقّ طروادةٍ◆في اقتسام الرواية /
  110. 110
    نسرٌ يودِّع قمَّتَهُ عالياً◆فالإقامة فوق الأولمب
  111. 111
    وفوق القِمَمْ◆قد تثير السَّأمْ
  112. 112

    وداعاً لشعر الألم!