في وادي النسيان

محمود حسن أسماعيل

84 verses

  1. 1
    جَدَثٌ بمدرجة الرياح مُعفّرُ◆البُومُ ضَيفُ تُرابِه والقُبَّرُ
  2. 2
    ذَاوِي الرُّسومِ مِنَ الْبلى فكأنَّهُ◆أَثُرُ النّمال مشتْ عليه الأعْصُرُ
  3. 3
    أو خطّ رملٍ أنشأتهُ بنانةٌ◆"لسطيح" من ماضي الدّهور مُسَطّرُ
  4. 4
    أو حكمةٌ مرقومةٌ في معبدٍ◆مُتهدّم شابتْ عليه الأسطرُ
  5. 5
    أو نقشةُ في حانةٍ مَهجورةٍ◆ألجامُ صُفّاحٌ بها مُتبعثرُ
  6. 6
    عبرتْ عليه الريحُ كاسفةَ الخُطا◆موهونةً فوق الثرى تتعثّرُ
  7. 7
    والليلُ أطرقَ واجماً فكأنّهُ الزّنجيُّ◆في حلكِ الأثير يُفكّرُ
  8. 8
    والنجمُ يخفقُ رحمةً فتخالهُ◆عيناً من الغيب المسَتّرِ تنظرُ
  9. 9
    والنيل حين جرى بجانبهِ سرتْ◆في موجهِ البلوى وكادَ يزمجرُ
  10. 10
    والعبقريّةُ أعولتْ مشدوهةً◆ثكلى تَفجّعُ صوبَهُ وتحسّرُ
  11. 11
    قالتْ وقد شهدته منبوذ الحمى◆وحفيرُه في البيدِ أشأمُ أغبرُ
  12. 12
    والسافياتُ شددنَ من أوصاله◆قصبا تزفُّ بجانبيه فيضفرُ
  13. 13
    ونشرن من أكفانه رغم البلى◆طاراً عليهِ يدُ النسيم تُنقّرُ
  14. 14
    وهزجن والبؤس المخلّد مائلٌ◆كالأمس في حرم الردى يتبخترُ
  15. 15
    وأقمن عرسًا ماج فوق ترابهِ◆يلهو به جنُّ الفلاة ويسمرُ
  16. 16
    يا قبرُ لي تحت الصفائح شاعرٌ◆تاريخه من نحسهِ متفجّرُ
  17. 17
    عبر الحياة فما صغت لنشيدهِ◆أُذُنٌ ولا واستْه عينٌ تبصرُ
  18. 18
    فكأنما ألحانهُ تأويهةٌ◆في الليل ردّدها شجٍ متحيّرُ
  19. 19
    أو دمعةٌ محنوقة وقفت على◆شط الجفون سجينةً لا تعبرُ
  20. 20
    أو دعوةٌ محبوسةٌ في مهجةٍ◆جلّى هُداها في الدُّجى مستغفرُ
  21. 21
    أو همسةٌ في الغاب تائهةُ الصدى◆أبلى نُفاثتها الظلامُ المصحرُ
  22. 22
    دنيا من النسيان أُلْقِيَ مهدُه◆فيها وسوّيَ لحدُهُ المتهجّرُ
  23. 23
    ونصيبهُ بعدَ الفناءِ مصفّقٌ◆يهذي لراثٍ في المنابرِ يَهترُ
  24. 24
    ومهلّلونَ لشاعرٍ مُترنّمٍ◆يلغو بأسجاع البيان ويهذِرُ
  25. 25
    يا قبرُ هدّ بِناكَ عن جنباتهِ◆مَنْ قال نسلُ العبقرية يقبرُ
  26. 26
    فا هتزّ مُرتاعًا وغمغم جاثياً◆ومضى يهلّلُ نحوها ويكبّرُ
  27. 27
    لا تجزعي فهُنا الخلودُ وسرّهُ◆خافٍ على كلّ العقول مستّرُ
  28. 28
    لا تحسبي قبب الرخام أظلّها◆بالسّرو ريّانُ الفروع منضّرُ
  29. 29
    نفضت بساحتها العطارُ جيوبُها◆فالمسكُ يسطع تحتها والعنبرُ
  30. 30
    وأحالها فنُّ المصوّر آيةً◆سرتِ الحياةُ بها فكادت تطفرُ
  31. 31
    ومضت بها التيجانُ تلمع في الدّجى◆كسرى نزيلُ رحابها أو قيصرُ
  32. 32
    أزكى ثرًى من حُفرةٍ مطموسةٍ◆دفنت بها ميْتاً لديها عبقرُ
  33. 33
    تذرى ويذرى العظم في هبواتها◆والخلد من ذرّ التراب منوّرُ
  34. 34
    هذا ربيبكِ أعظمٌ منسيّةٌ◆رجفت لها في الخافقين الأدهرُ
  35. 35
    في مهرجان الخالدين حديثه◆نغمٌ على شفةِ الخلود معطّرُ
  36. 36
    حشدت له الأهرام ذكراً لو عدا◆فيها البِلى لصبا إليهِ المحشرُ
  37. 37
    في كلّ محرابٍ بها وبنيّةٍ◆شادٍ يرتّل لحنه ويكرّرُ
  38. 38
    شعرٌ إذا ما القيد صلّ حديده◆في ظلّها يُضرى لظاهُ فيصهرُ
  39. 39
    هزّ الجنوب بثورةٍ صخابةٍ◆يغلي بها صمت القصيد ويسعرُ
  40. 40
    تسري فيرهبها الطغاة فتبري◆كالموت لا تبطي ولا تتأخرُ
  41. 41
    من راح ينكرُ حاسدًا أصداءها◆هذا دمُ الشهداء منها يقطرُ
  42. 42
    في دنشوايَ لها رنينٌ خالدٌ◆زعجَ الزمانُ دويّهُ المتسعّرُ
  43. 43
    سجدت لصرخته المشانق رهبةً◆وارتاعَ من خفقانها المتجبّرُ
  44. 44
    وأناملُ الجلاد ودّت رحمةً◆لو كلّ أنملةٍ عليها خنجرُ
  45. 45
    ترتدّ في عنق الذي يهوي بها◆قدرا يذودُ عن البريءِ ويثأرُ
  46. 46
    تخذوا الحمامَ إلى الحمامِ وسيلةً◆شنعاءَ واهتاجوا هناك وزمجروا
  47. 47
    نصبوا مشانقهم لنا فكأنّنا◆قطعانُ شاءٍ في المجازر تُنحرُ
  48. 48
    ولو انّها نطقت لصاحت في الورى◆كيدٌ لمصر وحويةٌ لا تغفرُ
  49. 49
    إن كان بطشهم تكبّر عاتياً◆فالله والوطن المفدى أكبرُ
  50. 50
    قمْ عاشقَ النيلِ استفقْ فصباحهُ◆حيرانُ في الشّطينِ أغينُ أصفرُ
  51. 51
    صديانُ ما نقع الندى لغليلهِ◆شوقاً ولا روّاهُ موجٌ يزخرُ
  52. 52
    لهفانُ ينتظر الذي غنى له◆ويصيح في نور الخميل ويزأرُ
  53. 53
    أينَ الندى والسلسل المسكوب من◆نغمٌ صداُ بلا آثامٍ يُسكرُ
  54. 54
    أين البلابل في الضحى مسحورةً◆بالشدو أنطقها الربيع المزهرُ
  55. 55
    من شاعرٍ نهب الضحى وأذاعهُ◆لحناً يغردُ في الربى ويصَفّرُ
  56. 56
    ما شدّ أوتارًا له أو أرغناً◆بل كان شطّي في يديه المزهرُ
  57. 57
    ولهٌ بمصر وهزةٌ في قلبهِ◆بغرامها كاللجّ راحت تهدرُ
  58. 58
    وهوًى أحال الشرق قلباً ثانياً◆في صدرهِ بِأسَى النوازل يشعرُ
  59. 59
    سلْ غادة اليابان كيفَ أهاجها◆في الروع عن ضافي الثياب تُشمّرُ
  60. 60
    تمضي بمشتعلِ السّنان فإن قسا◆تأسو جراحات السنان وتجبرُ
  61. 61
    واسمع نشيد الأرز في لبنانِهِ◆بردى يكاد بسحرهِ يتخدّرُ
  62. 62
    والحور منتفض الغدائر راقصٌ◆نشوانُ من رجع الغِناء مُطيّرُ
  63. 63
    شادٍ بأظلالِ الجزيرةِ ساجلتْ◆ألحانَهُ تحت الصنوبر دمّرُ
  64. 64
    أسرى إلى الدنيا الجديدة صوتُهُ◆فاهتزّ من طربٍ لديها المهجرُ
  65. 65
    واسَى النزيل بها فكاد غريبها◆يعييهِ للوطن الحبيب تذكّرُ
  66. 66
    سل عنه في يوم الإمام خريدةً◆وضحُ الهدى من صفحتيها مُسفرُ
  67. 67
    فزعت إلى القبر الطهور وقلبها◆جزعاً عليه من المحاجرِ يقطرُ
  68. 68
    بالأمسِ علّمها التصبّرَ في الأسى◆وطحت بها البلوى فكيف تصبّرُ
  69. 69
    هتفت به يا موقظ الإسلام قُمْ◆فالشرق بعدك واهنٌ متعثّرُ
  70. 70
    كادت مآذنهُ تميد قبابها◆وأَذانُها يَرثي ويهوي المنبرُ
  71. 71
    يا ومضةً من كاملٍ قد أشرقتْ◆فيضاً مِنَ النعش الطهور يُحدّرُ
  72. 72
    هاجت على أوتار شاعره لظًى◆متخشّعاً يخفي اللهيب ويسترُ
  73. 73
    تذكو فيرهبها الجلال فتستحي◆فتدسّ أنفاس الضرام وتضمرُ
  74. 74
    الشعلة الأولى بوادٍ مظلمٍ◆هالاتها من أصغريهِ تنوّرُ
  75. 75
    قلبٌ كأنّ النيل أرضعهُ الندى◆في المهد قدسيُّ الشغاف مطهّرُ
  76. 76
    فإذا يجنّ لمصر تحسبه الصبا◆في فجرها فوق الخمائل تخطرُ
  77. 77
    وإذا يثور لها تخالُ مروجها◆غيلاً يهيج على ثراه القسورُ
  78. 78
    مجنون بالأوطان تحت لسانهِ◆وجنانهِ نبعٌ لها متفجّرُ
  79. 79
    إن الجنون بمصر أروعُ حكمةٍ◆يوحى بها شرع الوفاء ويأمرُ
  80. 80
    قم عاتب الأوطان حافظُ هاتفاً◆بهواه إن جنانها متحجّرُ
  81. 81
    شعرٌ إذا ينساهُ شعبُكَ جاحداً◆فالنيل في يوم الفخار سيذكرُ
  82. 82
    خبلَ الحزانى حين رنّ لبُؤسهم◆غرباءَ بالعَوْدِ المفاجيء بشّروا
  83. 83
    يأسو وأجراحُ الزمان دفينةٌ◆كسرائرٍ في قلبه لا تنشرُ
  84. 84
    أذكى أسايَ ولم أر الشادي به◆لكنّهُ نسبُ الجحود مؤصّرُ