راهب النخيل

محمود حسن أسماعيل

133 verses

  1. 1
    أشيخٌ من الأزمان والناس ساخرُ◆لهول الذي كابدتَ؟ أم أنتَ طائرُ
  2. 2
    تطيّر منك العالمون فأرجفوا◆بنحسك حتى قيل بالحظّ كافرُ
  3. 3
    ومازال منهم من يراكَ كأنما◆أحست دبيب الموت فيهِ المشاعرُ
  4. 4
    ومن يهجر الدنيا إذا كنت ضيفها◆وأنت بهذا الكون سأمانُ هاجرُ
  5. 5
    تُطلّ بعينٍ مِلؤها السخر بالورى◆وأخرى بها للناس لحظٌ محاذرُ
  6. 6
    وتستشرف الوديان لا قلبك ارتوى◆هدوءاً ولا اهتزّت لديكَ المخاضر
  7. 7
    ولا جادك الفيء الظليل بجوسةٍ◆تقرّ بها عينٌ وتهدأ خاطر
  8. 8
    ولا المرجُ حيّاك الغداة بأيكةٍ◆تروّح فيها عن شجاكَ الأزاهرُ
  9. 9
    ولا نلتَ رزقاً لمْ يغيّب نعيمهُ◆حذارك أن تلقى عليه النواظرُ
  10. 10
    فيوماً من الناطور تحيا مفزّعاً◆تميل فتثْنيكَ الجدودُ العواثرُ
  11. 11
    ظلالٌ وأثمارٌ ونبعٌ وجنةٌ◆وصمتٌ على البستان ريّان ناضر
  12. 12
    وخمر على شط الكروم سجينةٌ◆تكادُ لنجواها تهيج السرائر
  13. 13
    مختمة الأقداح نامت غصونُها◆فأيقظها زَفزاف ريحٍ مسافر
  14. 14
    تحنّت دواليها وحنّت ظلالها◆إلى رشفةٍ مخبوءةٍ لا تُعاقر
  15. 15
    وجنّت سواقيها فأنّت وأقسمت◆إذا لم تذقها لا رعاها التصابر
  16. 16
    يرنّ على أعنابها الفيح ساجع◆تنادِمهُ كأس الضحى وتسامر
  17. 17
    تغنّى بها شادٍ وتمتم في الربى◆يمامٌ على عنقودها ذاكرُ
  18. 18
    كأنّ رباها مرضعاتٌ كأنّما◆عناقيدها أملاك مهد ٍ طواهرُ
  19. 19
    كأن بشط النيل أقدس حانةٍ◆إلى اليوم لم يلمس بها الكأس فاجرُ
  20. 20
    حرمتَ طلاها وانتشت برحيقها◆أبابيل من نحل الضحى وقنابر
  21. 21
    وما يفعل الظمآن والنبعُ سلسلٌ◆إذا مال والحظ المخيّب عاثر
  22. 22
    عيونٌ بظل الكرم يا صاح أوشكتْ◆تواسيك منها أدمعٌ ومحاجرُ
  23. 23
    وفرعٌ من الجمّيز أطلسُ واجمُ◆حواشيه أنفاسٌ عليك زوافر
  24. 24
    وصبّك هذا النخل إني أحبهُ◆وبي ما بهِ وجدٌ لبلواك ساعر
  25. 25
    تظلّ على عرجونهِ متأرجحاً◆خطيباً فتحنو أغصنٌ ومنابر
  26. 26
    وتنعق في أظلالهِ متصايحاً◆فيحسب أن شدت عليه المزاهرُ
  27. 27
    وراح رخيم الكفّ والصوت والصدى◆تُناديه ألحان الخلود السواخر
  28. 28
    فتخشع أهداب الجريد كأنّما◆تودّع نعش الريح منك المناقرُ
  29. 29
    وتأوي إليهِ في الهجير فترتوي◆من الظلّ حيث الظل أفيحُ عاطرُ
  30. 30
    على شاطيءٍ لا ماء فيه وإنما◆مواردُ خُيّاب الحظوظ مصادرُ
  31. 31
    فتُسقى هدوءًا عنده وسكينةً◆وأمناً لديه يستقرّ المهاجر
  32. 32
    وتسقيه شأن الغادرين لجاجةً◆وفي الطير ما في الناس وافٍ وغادر
  33. 33
    نعيقٌ ولغوٌ أعجمت نبراتهُ◆وطال ولم يكشف خباياهُ ساحر
  34. 34
    تخطته أحقاب ومرت أدهر◆وظل ولغزٌ منه للكون قاهرُ
  35. 35
    فَمِنْ قائلٍ: بينٌ مُشتٌ وفرقةٌ◆ومِنْ قائلٍ شؤمٌ على الأرض طائرُ
  36. 36
    ومن قائلٍ لا البين لا الشؤم إنما◆بهذا الصدى النعاب أولى المقابرُ
  37. 37
    وأنتْ كمثلي هاربٌ من فضولهم◆جوابك للأكوان إني ساخر
  38. 38
    فدعهم يلوكون الحديث وأصغ لي◆فما منهمُ للسمع إلا التهاتر
  39. 39
    لهم فلسفاتٌ انت ضلّلت رشدها◆بسرٍ تناهت في مداه الخواطر
  40. 40
    وعقلٌ إذا ما رفّ سقطك لم يزل◆يراوغهُ طيفٌ من الشك عابر
  41. 41
    يهمّ إلى الأستار يكشف غيبها◆فيصعقه غيبٌ على الغيب ساتر
  42. 42
    ويمضي بكبرٍ في الحجا فيصُدُّهُ◆ويُرديه كبرٌ في المقادير ظافر
  43. 43
    فسرك لو يدري الألى ظلُّ ريشةٍ◆بعشّك هاجتها الرياح الزوافر
  44. 44
    ورقشٌ على الكثبان خلّفت رسمَه◆يذرّيه رملُ الزعزع المتطاير
  45. 45
    فطر في البراري كيف شئت وغادني◆إذا عدتَ بالغيب الذي أنت ناظر
  46. 46
    فما لك غيري في البرايا متيمٌ◆وإن كنتَ تجفو عزلتي وتهاجر
  47. 47
    ولي فيك دنيا من خيالٍ بظلّها◆ىزوارق للشطّ الخفيّ سوائر
  48. 48
    حدتْهن ريحٌ من مسابح عبقرٍ◆بمثل صداها ما تغنّى مسافر
  49. 49
    إلى الخلد أو منه تهُبّ فواتني◆بعلمك عنها إنني اليوم حائر
  50. 50
    لها الوحيُ نوتيٌ وظلٌّ شراعها◆على الدهر ممدود التظاليل غامر
  51. 51
    عبرت بها الأجيال أنشُد شاطئي◆ودون مداه أتعبتني الأداهر
  52. 52
    فيا راهب الأزمان كشّف ستورها◆وأفصح فإنّ العقل حيران سادر
  53. 53
    ودعني وسرًّا في الليالي دفنتهُ◆سيبعثُه نايٌ بكفّيّ صافر
  54. 54
    وإلهامُ شعرٍ بين جنيّ دافق◆عليه رحيق الخلد سكرانُ ساكرُ
  55. 55
    إذا أنا لم أكشف سرائرك التي◆شدهت بها الدنيا فما أنا شاعر
  56. 56
    تعالَ فطارحني الأحاديث في الورى◆فَمِنْ دهرهمْ فاضت لديك النوادرُ
  57. 57
    عبرت فضاء الله من عهد آدمٍ◆ومن قبله ملّت خطاك المعابرُ
  58. 58
    وجئت بأمر الله في الأرض هادياً◆تداري وتأسو ما جناهُ التناحرُ
  59. 59
    رأيت طريحاً في الترابِ معفّراً◆تنوح عليه السافياتُ الثوائرُ
  60. 60
    هوَ البذرةُ الأولى على الشاطيء الذي◆بمسراهُ شلاّلُ المنيّات هادر
  61. 61
    تمرّ بهِ الأيامُ خرساءَ رهبةً◆كما في رحاب القُدس أطرق سائرُ
  62. 62
    ويهوي به ركبُ الحياةِ كما هوى◆من الأفق كفّنته الدياجرُ
  63. 63
    هو الرشفة الأولى لعزريل من دمٍ◆بهِ الإثم دقّاقٌ من الإنس فائر
  64. 64
    هو الكرمة الأولى على ملعب البلى◆تحسّى حميّاها تقيٌّ وفاجر
  65. 65
    هو الموت ساقٍ فوق أعتاب حانهِ◆سواءٌ صعاليك الورى والقياصر
  66. 66
    يموت ضياءُ الشمس إن مسّ دنّه◆ويفنى البلى إن لامسته الحفائر
  67. 67
    رأيتَ صريعًا ذاق من فيهِ قطرةً◆فنام ومن بلواهُ قابيل ساهر
  68. 68
    ينادي له الدنيا: تعالي وستّري◆منَ الأرض جُرحاً أثخنتهُ الهواجرُ
  69. 69
    قتيلٌ بكفّي رحت ندمان فوقه◆وكادت لمرآه تشقّ المرائر
  70. 70
    على الترب عريان الفناءِ كأنه◆فناءٌ لدنيا الآدميين سافِرُ
  71. 71
    أكاد وقد كفّنته بخواطري◆وفي الكرب قد تأسو وتبرى الخواطرُ
  72. 72
    أفُضُّ له مِنْ مُهجتي سابريّةً◆تُغطّيه لكنّي من الضعف خاسر
  73. 73
    أ هابيل ما ذنباً جنيتُ على أخي◆ولكنّ سهماً أنفذته المقادرُ
  74. 74
    وياربّ غفرانَ السماءِ ورحمةً◆وستراً فمالي غيرُك اليوم ساترُ
  75. 75
    فيا كاهن الأيام جئت معلماً◆لقابيل يقضي بالذي أنت آمر
  76. 76
    دُعيت بأمر الله تحفر في الثرى◆فتسكبُ نورَ الرشد منك الأظافرُ
  77. 77
    نقشتَ على الكثبان خطّاً تهلّلتْ◆وقرّت لمرآهُ النفوس الحوائرُ
  78. 78
    فواريتَ للإنسان في مثلهِ أسًى◆ويأساً وسوءًا ما وعتهُ الكبائرُ
  79. 79
    وأصبح تابوت الزمان ومضجعاً◆على مهده يغفو الألى والأواخرُ
  80. 80
    عشقت كراهُ غير أني أخافُهُ◆وأخشى لينساني البلى وأُحاذرُ
  81. 81
    فأحلُمُ بالدنيا كما كنت فوقها◆وتفدحني منها الخطوب الجوائرُ
  82. 82
    سلاماً قسيمي في الحظوظ وصاحبي◆وقد أرخصت عهدي القلوب الغوادرُ
  83. 83
    عشقتك منذ النخل مدّ ظلاله◆عليّ تُغاديني به وتباكر
  84. 84
    وتسبق حبو الشمس فوق جريده◆ليختلس الأثمارَ في الروض ماكر
  85. 85
    ومذ كانَ لي في الكوخ عهدٌ فقدته◆فسلْ عنه تنبيك الليالي الغوابرُ
  86. 86
    صلاتي به في سنبل الحقل لم تزلْ◆تسابيحها تغذو المنى وتسامر
  87. 87
    ونوحي على الدولاب دارت بشيخهِ◆صروف الليالي وهو في الذل دائرُ
  88. 88
    قواديسه تروى الربى وهو ظاميءٌ◆وأنّاته جزاعةٌ وهو صابرُ
  89. 89
    وفي مرجه الفلاح يشدو قناعةً◆وتشدو بجفنيه الدموع الهوامر
  90. 90
    سليبٌ من الأستار إلا ذؤابةً◆عليها صراخُ البؤس في الكون ساعر
  91. 91
    وفأسٌ بكفّيهِ يكادُ حديدها◆يسيل ودمع الظالمين مُكابرُ
  92. 92
    يُخطّط في القيعان أسطارَ شقوةٍ◆لها الظُّلمُ وحيٌ بالرّزيّات هامرُ
  93. 93
    قصائد من شعر الهوان نشيدُها◆إذا رَنّ ماتت في أساها القياثرُ
  94. 94
    لها عرق المسكينِ دمعٌ أذلّهُ◆مِنَ القلبِ ظلاّمٌ على الأرض جائرُ
  95. 95
    مراثٍ أصمّ الناس عنها جنانهم◆ورنّتْ بها فوق السياجِ العصافرُ
  96. 96
    لأقسمتُ ياشيخ العصور تُذيعها◆وتنعي بها فوق السها وتُجاهرُ
  97. 97
    فقد طال نسيان الورى لأنينها◆ورنّت بشكواها الطلولُ الدّواثرُ
  98. 98
    وعطرٍ لديهِ الطيبُ نشوانُ ذاهلٌ◆تُجنُّ عليه في الذهول الخواطر
  99. 99
    على أغصن الليمون غنّى خيالُهُ◆فضاعت بأحلامي لديهِ المجامرُ
  100. 100
    رشفتُ شذاهُ مرّةً فلحظتني◆فتيّمتَ إحساسي وطرفُكَ ناظرُ
  101. 101
    وأوشكتُ أجثو من خشوعٍ فخلتني◆عدوّكَ فازورّت لديك النواظرُ
  102. 102
    وطرت وخلّفت الخيال وذِكرةً◆على العشب تُشجيهِ فهل أنت ذاكرُ
  103. 103
    أحاجيك ما قسيسُ ديرٍ مُسُوحهُ◆وشائعُ من فنّ السماء سواحرُ
  104. 104
    تشيب لِحى الأحقاب وهي شبابُها◆على الدهر جُنحٌ أسحمُ الصبغ عاكرُ
  105. 105
    ويفنى ظلام الليل وهيَ ظلامها◆خضمٌّ على آبادها يتقاطرُ
  106. 106
    تسابيحهُ في الدّيرِ غاقٌ وإنها◆لأسطورةٌ مجنونةٌ تتهاترُ
  107. 107
    له صلواتٌ في البراري وعزلةٌ◆تُساءلُ عنها في الجبال المغاورُ
  108. 108
    ونوحٌ على صمتِ الكهوفِ كأنّهُ◆يؤبنُ ميتاً شيّعتهُ السرائرُ
  109. 109
    وزهدٌ على سدر الصّحارى كأنّهُ◆على رملها أحلامُ جنٍّ سواكرُ
  110. 110
    ونقرٌ على الأكفانِ والجثثِ التي◆جفتها ولم تستر رداها المقابرُ
  111. 111
    وحجلٌ إذا ما سارَ تحسبُ نقشهُ◆أنا بيش رمّالٍ غزتها الأعاصرُ
  112. 112
    فيا راهب الأجيالِ إن كنت مثلما◆نعتُّك فليشفِ الغليل التنادرُ
  113. 113
    أجيني على أُحجيّتي واحك مثلها◆فمن فيك يحلو لي الصدى والتسامرُ
  114. 114
    فقال: أنا القسيسُ والكون معبدي◆وبالشرع في ديني البرايا كوافرُ
  115. 115
    فأنصت انجوايَ الغداة لعلّما◆يُهدهد جرحاً في حشايا التناظرُ
  116. 116
    أُحاجيك َ ما طيرٌ على النيلِ شاردٌ◆جفتهُ عشاشٌ في الحمى ومعابرُ
  117. 117
    يرفّ على الأكواخِ تُدمي نشيدَهُ◆أماسٍ صريعاتُ المنى و بواكرُ
  118. 118
    تغنّى طويلاً بالأسى في ظلالها◆فغصّت بأنّات اللون الحناجرُ
  119. 119
    ومال إلى دنيا الحضارةِ نجوهُ◆فأشجتهُ أطماعٌ بها وتهاترُ
  120. 120
    وقومٌ على زيفِ المناصبِ حوّموا◆وهاجوا على بهتانها وتناحروا
  121. 121
    ومن خلفهم جيشٌ من البؤس والضنى◆وهول العوادي مضرمُ القلبِ ثائرُ
  122. 122
    فلولٌ من الأبشار ساق حُطامها◆وأغرقهُ لجٌّ من الظلمِ زاخرُ
  123. 123
    وقطعانُ إنسٍ للفجور تواكبت◆كما دفّ سربٌ للينابيعِ صادرُ
  124. 124
    فرّوع قلب الطير منها وأصبحت◆قياثيرهُ خرسُ الأغاني خوادر
  125. 125
    فمال إلى عشٍّ تحنُّ لطهرهِ◆وتهفو إليهِ في البروجِ الحرائرُ
  126. 126
    به ضبّةٌ عذراءُ من طبّها ارتوت◆وضاعت على نسكِ الغرامِ المباخرُ
  127. 127
    أست جرحه الدامي وواست شجونهُ◆ونسّتهُ ما جرّت عليه الحواضرُ
  128. 128
    ودارت على العشّ الليالي فأضرمتْ◆بدنياهُ أنفاسُ الرياح السواعرُ
  129. 129
    فأصبح مفطور الأغاني مشرداً◆على الأفق طيرٌ عن مغانيه نافرُ
  130. 130
    أجبني على أحجيّتي وانضُ سرّها◆فإن لم تُكشّفهُ فما أنت شاعرُ
  131. 131
    فقلت: أنا الطير الشريد وهذه◆بلادي يشقى في حماها العباقرُ
  132. 132
    أعيشُ بها أستمريءُ الحظّ صدفةً◆كما عاش من سفى البيادر طائرُ
  133. 133
    فلاَ الحظُّ واتاني! ولا اليأسُ صدَّنِي !◆كأَنَّي على خُضْرِ الرّوَابِي مُقَامِرُ