الرحلة الأخيرة

محمد موفق وهبه

59 verses

Dedication

وَعُدْتُ أدْرَاجيَ مِنْ حَيْثُ أتيْتُ عُدْتُ لِلسَّفرْ

  1. 1
    وَسَاقنِي حَظِّي إلى الخطرْ◆دَخلتُ غارَ السَّارقِينَ الأرْبَعينْ
  2. 2
    لم أصطحب إليه من يؤنس أو يُعينْ◆ذاكَ الذي دَخلهُ قبلي (عَلِي بابا) وَعَادْ
  3. 3
    أغنى مِنَ التجَّارْ◆أغنى مِنَ السُّلطانِ فِي بَغدادْ
  4. 4
    وَكانَ قبلَ ذا فَقيراً مُعدِماً لا يَعْرفُ الدِّينارْ◆مَلأتُ أكياسَ الحَطبْ
  5. 5
    بِالماسِ بالجُمَانِ باللآلئِ المَنظومَهْ◆بالجَوْهرِ الثمينِ بالحِجَارَةِ الكريمَهْ
  6. 6
    بِكُلِّ ما استَطَعتُ حَملَهُ مِنَ الذهبْ◆جَمَعْتُ ما أهوى مِنَ الحُلِيّ وَالدُّرَرْ
  7. 7
    لمْ أنسَ همِّي لحْظةً مَا اسْطاعَ أنْ يَغلِبَنِي الطرَبْ◆لمْ أنسَ [سمسماً] كمَا نسِيَها شَقيقُهُ المِسْكينْ
  8. 8
    فغفلةُ النسيانِ من ورائها المنونْ◆لَكِنَّهُ القَدَرْ
  9. 9
    إذ لَيسَ يُجدي حينَ يأتي الحِرصُ وَالحَذَرْ◆فلمْ يكدْ يخلو مِن اِسمِ [سمسمٍ] مكانْ
  10. 10
    كَتَبَهُ اللصوصُ فوق الأرض فوق السقف والجدرانْ◆يا ليتني قبلَ دخول الغار قد رجعْتُ
  11. 11
    أَدرَكتُ حينَ ذاكَ أَنَّني وَقَعْتُ◆ولم يعد هَمّي سِوى النَّجاة مِن بَراثِنِ الخَطَرْ
  12. 12
    وَ تهْتُ فِي دِهْليزهِ الطويلِ أَياماً كثيرَهْ◆لأنني نسيتُ أيْنَ البَابْ
  13. 13
    نسيتُ أيَّ صَخرَةٍ تفتحُ إنْ ناديتُ: سِمْسِمْ◆شحذتُ ذهني جلتُ في ذاكرتي الفقيرهْ
  14. 14
    لكنني لم أحظَ بالجوابْ◆وكنت كلما مشيت خطوةً أتمتمْ:
  15. 15
    سمسم.. سمسم..◆فربما أكون قربَ البابْ
  16. 16
    وينتهي العذابْ◆وتكتبُ النجاةُ للأسيرْ
  17. 17
    أنهَكنِي المَسيرْ◆أصابَني الإعياءُ كلّت هِمّتي الطَّموحْ
  18. 18
    تَوَرَّمَت رِجلايَ سِرتُ حافِياً تَلسَعُني القُروحُ وَالجُروحْ◆ولم أعدْ أسطيعُ أن أغدوَ أو أروحْ
  19. 19
    تراختِ الآمالُ صار كل بارقٍ لدَيّ مُظلِمْ◆إذ لم يعدْ يُجدي نداءُ سمسمْ
  20. 20
    رَمَيْتُ مَا جَمَعْتهُ جلست أستريحْ◆ورحتُ أنعي طمعي الجَموحْ
  21. 21
    وفجأةً أصابني الخَوَرْ◆وزاغَ مني القلبُ والبصَرْ
  22. 22
    أحسَستُ أنَّ الغارَ وَالأحجارَ مِن حَولي تَدورْ◆والأرضَ من تحتي تغورْ
  23. 23
    وَقَعتُ مَغشِيّاً عَلَيَّ فاقِدَ الإحساسِ والشُّعورْ◆أسيحُ في عوالمِ الأحلام والأشباحْ
  24. 24
    فكل ما تراه عينايَ صُوَرْ◆تلوح لي خلفَ زجاجِ الغيمِ والعَكَرْ
  25. 25
    تخفقُ كالوشاحْ◆إن هبّت الرياحْ
  26. 26
    وَاجتمَعَ اللصُوصُ حَولِي يَنفثونَ الحِقدَ وَالغضَبْ◆سُيوفهُمْ مُصْلتةٌ ألسِنةً مِنَ اللهَبْ
  27. 27
    أحداقُهُم تَقدَحُ بِالشَّرَرْ◆أَفواهُهُم مُزبِدَةٌ غَيظاً يُصِمُّ الغارَ بِالصِّياحْ
  28. 28
    ويلطمُ الأحجارَ بالعُواءِ والرُّغاءِ والزئيرْ◆قالَ لهُمْ رَئيسُهُمْ: لا تقتلوهْ
  29. 29
    عَذابُهُ أنْ تترُكوهْ◆عَرّوهُ جَرِّدوهْ
  30. 30
    مِنْ كلِّ مَا سَلبَهُ مِنْ غارنا ثمَّ اطرَحوهْ◆وراءَ بابِ الغار للوُحوشِِ لِلكِلابْ
  31. 31
    دَعوهُ لِلهَلاكِ ليسَ فيهْ◆خَرْدَلةٌ مِنْ قُوَّةٍ تُنْجيهْ
  32. 32
    أَو رَمَقٌ يُبْقيهِ لِلإيابْ◆ليس له رفيقْ
  33. 33
    وليسَ في هذي البِقاعِ غَيرُنا من يَعرِفُ الطَريقْ◆خرَجْتُ مِنْ غارِ اللصُوصِ جَائِعاً عَطشَانْ
  34. 34
    مُحطّمَ الآمال مسلوبَ القوى مُشتتَ الجَنانْ◆أهيمُ في الجبَالِ وَالوُدْيانْ
  35. 35
    لا مَاءَ لا زادَ سوى ما جادتِ الغبراءُ والسماءْ◆مشاركاً في عَيشيَ الهَوامْ
  36. 36
    أكلتُ مَا يأكلهُ الجَرَادُ وَالديدَانْ◆شَربْتُ مَا تعَافهُ الخيولُ وَالأغنامْ
  37. 37
    وَكَم وَكَم غَلَبَني النعاسُ في العَراءْ..!◆وَنمْتُ فوْقَ الحَوْرِ وَالصَّفصَافْ
  38. 38
    فِراشِيَ الغصونُ وَالعيدانْ◆وَقُبَّةُ السَّمَاءِ لِي لِحَافْ
  39. 39
    سُمَّاريَ النَّقيقُ والنُّباحُ وَالعواءْ◆ندمَانِيَ الذئابُ والضِّباعُ وَالأشباحُ وَالظلامْ
  40. 40
    وَقينتي الَّتي تُغَنِّي بُومْ◆يَلُفُّني الدُّجى بِثوبٍ مِلؤُهُ البَعوضُ والجنادِبْ
  41. 41
    وكلُّ مخلوق له الدماء والأديمْ◆قوتٌ.. ولا يعدله ألَذّ ما في الكون من أطايِبْ
  42. 42
    وكلُّ مخلوق جبانْ◆ينام في النهار خوفاً ويرى الظلام للمكاسبْ
  43. 43
    وَمِن ورا السديمْ◆من قبة السماء من شُرْفاتها المشرعة الأبوابْ
  44. 44
    تَرمقني النُّجومْ◆تَغمِزُني الألوفُ مِن عُيونِها الكحيلة الأهدابْ
  45. 45
    عيونِها الحوراءِ والزرقاءِ والخَضراءْ◆وَقَد يَزورُ مَسكَني القَمَرْ
  46. 46
    يَقفِزُ مَن شُبّاكَهِ الفِضِّيِّ نَحوي دونَما استِئذانْ◆يَطبَعُ فَوقَ وَجنَتَيَّ قُبلَتَي حَنانْ
  47. 47
    وَقَد يَمُرُّ شارِداً يَرمقُني بِمُقلَتَينِ ضَلَّتا◆بَينَ الشِّعابِ تاهَتا
  48. 48
    أَضناهُما السَّهَرْ◆وَقَد يَبُشُّ وَجهُهُ بِبَسمَةٍ يرسلها مِن ثَغرِهِ الفَتّانْ
  49. 49
    يومي بِها إِلَيَّ مِن عَليائِهِ حيناً بُعَيدَ ساعَةِ الغُروبْ◆أَو قَبلَ أَن أَنامَ في السَّحَرْ
  50. 50
    كأَنَّهُ يَقولُ: " نَمْ يا أيها الحيرانْ◆كَيفَ..؟! وَهَل تسطيعُ أن تَنامْ..؟
  51. 51
    أرجو لكَ السّلامْ "◆وَبَعْدَ أعْوَامٍ مِنَ المَسيرْ
  52. 52
    عَبْرَ صَحَاري البؤس وَالشَّقاءْ◆مُحمّلاً بالألم المريرْ
  53. 53
    وَصَلتُ كوخِيَ الأثيرْ◆ذاكَ الذي ترَكتُهُ فِي أوَّلِ الشَّبابْ
  54. 54
    كأننا لمْ نفترقْ فلمْ نكن أغرابْ◆وَهَل تَهونُ عِشرَةٌ جذورُها القلوبْ..؟!
  55. 55
    عَانقتهُ.. أضُمُّ منه البَابَ وَالجُدْرَانْ◆وَألثمُ الأحْجَارَ وَالترابْ
  56. 56
    رَمَيْتُ عَنْ كِتفيَّ أحْمَالَ الهُمُومْ◆مَدَّدْتُ جسْمِي تحْتَ ليْمُونتِهِ الرَّؤومْ
  57. 57
    تنضحني بعطرها نسائمُ الصباحْ◆أقرأ في الخيال صفحات من المكتوبْ
  58. 58
    وَأحْمَدُ اللهَ عَلى القِسْمَةِ وَالنَّصيبْ◆وأغمض العينين بارتياحْ
  59. 59

    * في (ألف ليلة وليلة) دخل شقيق (علي بابا) الغار ولم يستطع الخروج منه لأنه نسي كلمة السر (سمسم)