خلاخيل شامية

غادة السمان

59 verses

  1. 1
    دوماً يأتيني صوته كصرخة استغاثة من قارة أخرى: تعالي.◆دوماً يناديني أميري سلمان فجأة...
  2. 2
    ودوماً ألّي. أعرف أنني سأغادر أوروبا إليه في أميركا لنحلم◆معاً بآسيا، مبللين بدموعنا منذ لحظة اللقاء في مطار كنيدي-
  3. 3
    نيويورك، حيث نتكاتف مثل عصفورين لم تعوّضهما عن عشهما◆الأم في دمشق غابات العالم.
  4. 4
    كنت قد وضبت في منفاي الباريسي الاختياري "عدة الحماقة"◆الملونة كلها لسهرة رأس السنة كجزء من مجاملتي لوعائي
  5. 5
    الاجتماعي!◆من القارة الأخرى إلى باريس جاءني صوته يرطن بالانكليزية
  6. 6
    بعدما كاد ينسى العربية: اركبي أول "كونكورد" وتعالي. بطاقة◆السفر في انتظارك عند شركة الطيران!
  7. 7
    وأطير إليه أسابق الزمن بالمعنى الحرفي للكلمة! لقد اخترعوا◆الكونكورد ولم يخترعوا بعد النسيان!!
  8. 8
    ما زلت أراه في أحلامي طفلاً في دمشق، بالرغم من أن◆أميري سلمان صار يُشبه صور عنترة بن شدّاد في رسوم أبي
  9. 9
    صبحي التيناوي ورفيق شرف.◆ما زلت أمشط شعره الأسود الجميل في أحلامي، وأسرق له
  10. 10
    دماه الصبيانية، فيركض خلفي في دهاليز الذاكرة لانتزاعها من◆اخته المشاكسة التي تكره الدمى الخاصة بالبنات، ويطلق عليّ
  11. 11
    اسم: "حسن صبي"!◆لماذا يستدعيني أميري الدمشقي سلمان فجأة بين وقت وآخر؟
  12. 12
    ربما لأن "العرب هم شعب الذاكرة بامتياز". ولعله يشعر◆أحياناً أن اسم "سام" كما ينادونه هناك ليس حقاً اسمه، ويشبه
  13. 13
    قميصاً خشناً أقسر نفسه على ارتدائه منذ ربع قرن!◆وربما كان يشتاق للثرثرة بلغته الأم نصف المنسيّة، وبتلك
  14. 14
    التعابير الشامية الخاصة التي كنا نتبادلها طفلين بدءاً بكلمات◆العذوبة البريئة وانتهاء بشتائم لحظات الشجار على الدمى القروية
  15. 15
    في عطلة الصيف في بلودان والشامية من سحالي وضفادع وبوم◆وأفاعٍ وأرانب وأراجيح.
  16. 16
    في المطار، لم يقل لي إنه مشتاق للحوار معي عن◆امبراطورية الياسمين حيث نتذكر معاً ذلك الوطن الغالي اللامنسي
  17. 17
    بيتاً بيتاً وجهاً وجهاً جرحاً جرحاً شوقاً، شوقاًُ، ولم يكن بحاجة◆إلى أن يقول لي ذلك كله...
  18. 18
    كان الصمت يشدّنا دائماً أكثر من الحوار.◆لم أطرح عليه أسئلة حمقاء من نمط: لماذا لا تعود؟ كان نهر
  19. 19
    الزمن قد تدفق على مدى ربع قرن منذ رحيله، فمن يستطيع أن◆يسبح تلك السنوات الضوئية للفراق إلى الجهة المعاكسة؟
  20. 20
    جالسان في الدور الأخير من ناطحة السحاب في مانهاتن -◆نيويورك حيث أحد مكاتبه. يسألني عن أصدقاء طفولته فرداً
  21. 21
    فرداً. أخترع لأعمارهم حكايا حلوة، وهو يعرف أنني أكذب◆ويستمتع بكذبي. من يجرؤ على تخريب الخاتمة السعيدة لحكايا
  22. 22
    يحدّق في مطر الليل كأنه يراهم في المدة الخفي، وعبر◆النافذة تبدو نيويورك كما من طائرة تتأهب للهبوط لكنها تظلّ
  23. 23
    معلّقة كدمعة تجهل فنون الانتحاب.◆نتبادل أنخاب الذكريات أكواباً من الدمع السرّي... وتدور
  24. 24
    "آلة الزمن" بنا، وها نحن نسبح معاً في نهر بردى عفريتين◆صغيرين، كأنه لم يصبح أباً لثلاثة أولاد بريطانيين - أميركيين ولم
  25. 25
    يتحول إلى دماغ علمي مهاجر مرشّح لجائزة نوبل.◆عاد كما أراه في أحلامي كلها، طفلاً يشاركني سرقة بغل
  26. 26
    الجار لنركض به في البساتين ونسرق التفاح والمشمش! أقول له:◆أتذكر يوم عات جدتنا من الحجّ، وقد حملت لنا معها قارورة
  27. 27
    من ماء زمزم، وخصّتني بجرعة... فركضت على حناء يديها◆يقول أميري سلمان: أتذكر حصرماً ما رأيته في حلب. ذقته
  28. 28
    خلسة وكان شهياً واستثنائي الطعم، أشهى من العنب الناضج◆أتذكّر، حين كنت أنام باكراً مرغماً قبل الامتحانات، فأشعر
  29. 29
    أنني ارتكبت إثماً في حق الليل والنجوم... وستعاقبني الحياة◆بالسجن المؤبد داخل النوم مع الكوابيس الشاقة.
  30. 30
    كنت حزيناً ، كجناح نسر ممنوع من التحليق، وها أنا حزين◆كنسر طار أكثر مما ينبغي في دروب الهجرة!
  31. 31
    اتكئ على الليل، واكتب باصبعي اسم دمشق على نافذة◆الدور السبعين في مانهاتن،
  32. 32
    فتهبّ في الغرفة رائحة الياسمين كروح غالية تمّ◆استدعاؤها...
  33. 33
    أحدّق في أضواء نيويورك، لكنني أرى مدينة تتدثر بعبيرها◆الخرافي اسمها دمشق، تمتشق أنهارها سيوفاً من الخصب،
  34. 34
    تحاصرها الأشجار كوكبةً من الشعراء.◆يهذي ليل مانهاتن بأبجدية الحنان بين الغوطة وقاسيون الذي
  35. 35
    أتسلّقه وشقيقي سلمان وقد عدنا طفلين يتسابقان بين "قبة السيّار"◆و "جبل الأربعين" حتى يهبط الليل على دمشق.
  36. 36
    أكانت تلك نجوم سمائها، أم بصمات أصابع عشاقها على◆سقف ذاكرتها الشاسعة - بعدما رحلوا - وخلّفوا انفجارات القلب
  37. 37
    الضوئية في لحظات غابرة لا منسية؟◆نغادر ناطحة السحاب.
  38. 38
    يهمس قلبي والسيارة تركض بنا في شوارع نيويورك بين◆صفارات سيارات البوليس وأبخرة الجحيم من شقوق أسفلتها:
  39. 39
    قولوا لسوريا إنني قطفت لها من كل غربة وردة...◆توليب هولندا، واوركيد سنغافورة، وزنابق الشمال لم تنسني
  40. 40
    عريشة الياسمين على شرفتي العتيقة، وبحار شقائق النعمان◆مجنونة الحمرة في حقول غوطة دمشق...
  41. 41
    حانات الدنيا كلها لم تمسح عن قلبي بصمات "ديك الجن"◆في نبع العاصي، العاصي مثلي!
  42. 42
    قولوا لدمشق إنها لا تزال تتدلى من عنقي كمفتاح الكنز...◆عن أشجار الأبجدية قطفت لعينيها لآلئ الجنون هدية
  43. 43
    عشق... ولم أتعب!◆عبثاً نصدّق أن ذكريات الماضي التي نترنم بها ونحن في
  44. 44
    الدرب إلى بيته المعلّق على سطح ناطحة سحاب أخرى لا تتابع◆حياتها المستقلة بطفلَيْ الزمن الغابر كما كانا تماماً منذ ألف عام،
  45. 45
    والمدينة على حالها وناسها على حالهم!... وأن تلك الوجوه◆التي نستعرضها حيّة على شاشاتنا الروحية صارت غباراً مضيئاً في
  46. 46
    فضاءات الزمن...◆عبثاً نصدق أن غزلان الماضي الراكضة في دورتنا الدموية
  47. 47
    أضغاث أحلام.◆عبثاً تعلّمنا العناكب درس حياكة أكفان النسيان، ويلقننا الصدأ
  48. 48
    رقصته على صناديق القلب.◆فجأة تبدو حقائق عمرنا الراهن أكاذيب،
  49. 49
    وتلك الذكريات الطفولية الضبابية حقيقتنا الصلبة الوحيدة!◆تنهض الذاكرة من موتها الموهوم، ونُنشد معاً بما يُشبه
  50. 50
    الهمس أغنية طفولية كنا ندمدم بها ليلاً حين يجافينا النوم ريثما◆نغفو: "ماروشكا... في الغاب الحزين... هلا تسمعين...
  51. 51
    أجراس الحنين"...◆ننشدها معاً في وجه الليل النيويوركي والغربة الكونية وثقب
  52. 52
    الأوزون والإيدز و "الكريديت كاردز" ودهاليز المطارات◆والمجاعات والحروب والأحزان والكلاب المرفهة والتلقيح
  53. 53
    الإصطناعي والكوارث النووية وبقية مفردات أحزان كنا◆ننشد أغنية البراءة كتعويذة، أو كجزء من طقوس الغربة التي
  54. 54
    نمارسها عاماً بعد آخر لنستعيد ذاتاً مستلبة.◆من يصدق أنني قطعت آلاف الأميال لأغنّي مع شقيقي وأمير
  55. 55
    ذكرياتي سلمان أغنية طفولية بريئة ليلة رأس السنة؟◆كثيرون سيصدّقون! كثيرون يطيرون مثلي في هذه اللحظة
  56. 56
    آلاف الأميال إلى حيث يلتقون بزمن القلب في الوطن اللا منسي.◆يرن هاتف السيارة... زوجته تزجرنا لأننا تأخرنا عن
  57. 57
    السهرة، وأولاد أميري الشامي سلمان يزقزقون معها باللغات كلها◆باستثناء العربية. أسأله ماذا حمل لابنتيه هدية السنة الجديدة؟
  58. 58
    أميري سلمان ينسى أن اسمه صار "سام"، ويقول لي بصوت◆جدي الشامي العتيق وبقية أجدادي: خلاخيل شامية!!
  59. 59

    نيويورك 1 / 1 / 1993