حبك "كادوك"*
غادة السمان41 verses
- 1أحببتك ذات يوم، طائر برق لم ينحن لغير الوردة، فكيف◆آلفك اليوم، وأنت ترتع في سلاسلك الذهبية، وقفازاتك البيضاء
- 2وخطبك الحماسية (الطبلية) المخاتلة، وتكتب خنوعك بأظافر◆مطلية بالشعارات؟
- 3كيف تركتَهم يسرقون من جناحيك الأفق والمدى والريح◆والحلم ولا يتركون لك غير منقار للأكل والثرثرة؟
- 4وكيف تركتُك زمناً طويلاً تعبث بمجاهلي. تضرم النيران في◆شعري وأواراقي وشوارعي ومدني،
- 5ولا أقول لك إلا سلمت يدك وأنت تعربد في دورتي الدموية◆بجزمتك الحربية وتدمغ حروفي ببصمتك الصوتية؟...
- 6مثل قرصان أرعن أحاول عبثاً مهاجمة سفن الماضي...◆ونهب ذكرياتنا لأصدق أن ما كان قد كان حقاً...
- 7فكيف أتعلّم اليوم حرفة التخلّي،◆وأدع سفن الماضي تبحر بسلام في مياه اللامبالاة،
- 8وأفهم أن الجدار الشفاف بين ما كان وما صار، مجرّة فراق؟◆وكيف أقول لك بلا غصّات:
- 9ما دام كل ما كان بيننا "كادوك"،◆إذن حبك "كادوك"!
- 10تذهب العاشقة إلى شواطئ المساء،◆وحيدة مع أبجديتها، بلا متفرجين ولا مصفّقين...
- 11هاربة بصوتها من مهرجان الضفادع البشرية وبطولات النقيق،◆بلا أوسمة غير جرحها...
- 12قليل من الصفاء، بعيداً عن مجالس الرياء،◆ينعش الفؤاد الثري بالسكتات القلبية المتلاحقة...
- 13فحزنها ليس أسهماً في بورصة النفاق...◆ولن تبيع جرحها مقابل فضة الثرثرة.
- 14تذهب العاشقة وحيدة إلى الذاكرة،◆تستحيل دودة قز، تحيك خيوط النسيان الحريرية، وتتأمل
- 15الشريط السينمائي للماضي بصمت داخل شرنقتها ثم تثقبها لتطير◆من جديد مدجّجة بخيبتها الجديدة...
- 16تشرع جناحيها وقد شبّت فيها النيران، وتحلّق بعدنا تعمدت◆بالدم واللهب والخديعة، على طول جولات من القهر
- 17المرفوض...◆تكتشف رئتاها فرحة الأوكسجين خارج حجرات المؤامرات
- 18الصغيرة والكبيرة، وهي تنتحب طيراناً وتعلن لنفسها: حبك◆عبثاً تخرّب بوصلتي الداخلية،
- 19عبثاً تزرع في حقولي أشجار الحسّ بالذنب أو الحيرة.◆ذات ربيع، أحببتك بجنون رائحة زهر الليمون في ليل
- 20الشواطئ والمذابح.◆تمنيت أن نواجه - متكاتفين - المسننات المعدنية الجبارة التي
- 21تحاول أن تطحننا معاً.◆ولكنك حاولت اغتيال عنفواني، وصار حبي لك يعني الإِصابة
- 22بعمى الألوان، والتحوّل إلى دمية مطاطية تقول "سمعاً وطاعة"...◆كان الحب، في عرفك، فعل طاعة بلا قناعة!
- 23شعارك في الحب:◆نفّذ ثم ناقش ، وقلْ "سمعاً وطاعة".
- 24وها أنا أقول لك:◆سمعاً وطاعة لرفضي لك.
- 25سمعاً وطاعة يا نداء العصيان على إذلالك لي، على طول◆زمن من الخيبات حين كنتُ شريكتك في الضراء لا السراء!
- 26وها أنا أضرم النيران في تذكاراتنا، فلا يداهمني برد الفجر◆أتدفأ بالمحرقة وأردد: حبك "كادوك"، يا من عرفانه بالجميل
- 27مباهاة بغطرسته!◆صرت غريبة عنك،
- 28الغربة هي أن أفتش عن وجهك داخل ملصقاتك العتيقة في◆الشوارع ولا أجده
- 29الربة هي أن أفتش عن نبرتك داخل صوتك الميكرفوني،◆عن روحك داخل جسدك المتورم،
- 30وعن ضوئك داخل مصباحك الخابي،◆وعن جمرك تحت أكداس رماد صدرك،
- 31وعن نبضك تحت أثقال وزنك...◆الغربة هي أن أسمع دقات قلبك
- 32كما لو كانت قنبلة موقوتة ستطيح بي،◆وأن يفارقني حسّ الأمان معك
- 33فأتحول من ليلى العامرية إلى ماتا هاري،◆في حكاية حب أضحت أقرب إلى المكيدة منها إلى الصفاء.
- 34الغربة هي هجرتي إلى قاعي حين نلتقي،◆اختبائي من صخبك الهوائي في مأوى أحزاني السرّية المائية
- 35المعدنية المنصهرة.◆الغربة هي موت الانسجام بين المقلاع والحجر والشجار بين
- 36الينبوع والمطر.◆الغربة هي انكسار الانسجام بين الطيران والريح، وها أنت
- 37تطوي أجنحتك وخطبك الحماسية، وتنكبّ على فواتيرك.◆وها أنا أتأمل القمر الحزين، وقد عرّته الغربة من ثيابه كلها
- 38إلا من ضوء كبريائه، وهو يروح ويجيء على مدى دهور باحثاً◆في الأبدية بين مدارات المنافي عما لا يدريه،
- 39دون أن يخلع ضوء كبريائه.◆الكتابة، هي أن أتعلم منه،
- 40ويومها سأقول لك بصوت الرعد: حبك "كادوك" يا من◆أحرق مدينتي وزمني...
- 4122 / 11 / 1993◆*"كادوك" لفظة فرنسية ( Caduc ) تعني شياً تخطاه الزمن، وقد شاعت عربياً بعد استعمال "أبو عمار" لها في بيان هام له.