بومة شامية عاشقة
غادة السمان28 verses
- 1كل ليلة أدّعي كاذبةً أنني ذاهبة إلى النوم◆وحين أتمدد في فراشي، أفتح نافذة في وسادتي
- 2وأقفز منها إلى حقول الماضي◆أخلّف لهم جسدي المقدد تحت الأغطية
- 3لأعود طفلة تتسلق شجر اللوز والتين◆تضفر جديلتها بالنجوم. تنصب أرجوحتها بين قارّتين
- 4والفراشات تطير من رؤوس أصابعها..◆كل ليلة أركض في قارّتي السرّية،
- 5أستعيد ذاتي المنهوبة وأعضائي المتناثرة بين دهاليز المترو◆وأفاعي السكك الحديدية ومصحات مجانين المطارات
- 6وردهات السعال والقهقهة الاصطناعية والكرنفالات◆ولزوم ما لا يلزم
- 7لأعود أميرة الحرية. أتنقل في حقول بلا مخافر◆وقارّات بلا مراكز حدودية
- 8ولا تأشيرات دخول وخروج للأحلام.◆كل ليلة أنتزع الحدود وأرمي بها عن الكرة الأرضية
- 9وتصير المجرّة ملعباً مفتوحاً للدهشة..◆كل ليلة أخترع قطارات تركب فيها المحطات وترحل،
- 10ويسافر السفر فيها، فأجدني من جديد في دمشق.◆ثمة مدينة داخل رأسي توقف فيها الزمن
- 11اسمها دمشق. تتابع حياتها كما كانت يوم فارقتها◆لا تنمو أشجارها ولا تذوي...
- 12ولا يهرم أحباب الأمس فيها ولا يموتون◆يظلّون كما عرفتهم إلى الأبد
- 13فراشات نادرة مغروسة بالدبابيس على جدران الذاكرة.◆منذ عشرة قرون من المطر ودعتك في دمشق. أقسمت بالليل - كاذبةً
- 14على أن أعود إليك. أما زلت تنتظرني؟ لقد اكتشفت الآن بعد عشرة◆قرون من المطر أنني لم أكن كاذبة وما زلت أحبكما دمشق وأنت.
- 15عشرة قرون من التشرد. القطارات، المحطات الرمادية النائية.◆ضباب القرى الغريبة. عشرة قرون من التسكع وحيدة فوق الثلوج
- 16في ضوء القمر المفلوج. عشرة قرون وأنا أناديك ومدينتي بشفتين◆مطبقتين على صرختهما كشفاه التماثيل. عشرة قرون من الجنون.
- 17وها أنا اليوم أحاول أن أعود مطيعة كبنفسجات جدتي وفي صدري◆عشرة قرون من الشوق. وأقسم دون أن أكذب كثيراً إنني لم أحبّ
- 18حقاً سواكما!...◆كنت بومة شامية غريبة الأطوار. أقطن الدهشة
- 19مثل زرافة صغيرة في حفل استقبال عجائز الثرثرة والأقنعة◆وأهرب إلى بحيرات الحب أنحت التماثيل لإشارات الاستفهام
- 20وحين اكتشفت السر صرت أنحت إشارات تعجب!◆كم صادقت العاصفة وصار جسدي يعزفها بلا وجل...
- 21كم استسلمت لضوء القمر في ليالي الحزن الانطوائي.◆كم عذّبتني تقمصاتي من شرنقة إلى فراشة..
- 22كم أرّقني طموح فراشة صمَّمت على التحليق مع النسور◆واكتشفت التحولات المدهشة لمصائرنا
- 23ما نرغب فيه حقاً.. نكونه...ونصيره◆نصنع أقدارنا أكثر مما تصنعنا هي...
- 24كأية بومة شامية وفيّة لطيرانها الليلي..◆لم أكن أريد أن أحلم بالأشرعة التي تسافر. كنت أريد أن أكون
- 25السفر. لم أكن أريد أن أحلم بالأجنحة. أردت أن أكون التحليق ولو◆بين الصواعق والعواصف، رافضة قدر عيون المساجين لتركض
- 26نظراتي فوق القارّات، وتقرأ أكف المدن النائية، وبصمات الغرباء على◆نوافذ القطارات الغريبة، وتتسلق أغصان الرياح.
- 27كنت أريد أن أحيا، لا أن أعيش وأنا أحلم بالحياة!◆كنت أريد أن أحقق أحلامي وأزوجها بالواقع وأعقد قرانها على
- 28اللحظة بينما رمل الزمن يتابع هربه في حجرات الأنابيب للساعات◆المحكمة الإغلاق الممهورة بختم الموت والزمن.