الأبدية لحظة صدق
غادة السمان40 verses
- 1- أيتها المرأة الحزينة،◆ما الذي تفعلينه منتصف ليل السنة الجديدة؟
- 2- أحمل المثقاب الكهربائي، واغرسه في الجدار،◆أصنع ثقباً صغيراً لتعليق خارطة وطني على مسمار،
- 3وبعدها أغرس المثقاب في ظلام الليل الصلد◆حتى أثقبه ، فقد ألمح ضوءاً في الطرف الآخر...
- 4- أيتها المرأة الحزينة، أما زلتِ تحبينني؟◆- هذا العمر كله لا يكفيني لأقول كم أحبك ...
- 5إنه أقصر من أن يتسع للرحلة معك◆وأطول من أن نقضيه في الفراق...
- 6- أيتها المرأة الحزينة، لماذا إذن هجرتني؟◆- لأنك طالما اعتبرت تقديسي للحرية
- 7مرضاً بحاجة إلى علاج...◆ولأنك وضعت لنفسك هدفاً ثابتاً:
- 8إن تبدّلني كي تحبني...◆كنتَ تحب امرأة أخرى وهمية، وتحاول حشري في قالبها،
- 9ماسحاً ملامحي النفسية بممحاة حبي لك...◆- أيتها المرأة الحزينة، أراضية أنت الآن بحريتك؟
- 10- من الذي سجن روحي في هذا الجسد المهترئ؟◆لو استطعت أن أختار جسداً،
- 11لاخترت جسد الأمواج الحرة،◆التي تهرول كما يحلو لها في وضح الليل،
- 12على رمل قارات الأسرار وتنحت مغاورها معلنة حقيقتها...◆- أيتها المرأة الحزينة ، ألا هاجس لكِ غير الحرية؟
- 13- وكل شيء يحاول سجني!...◆حتى السطور على ورقتي البيضاء
- 14التي أخط عليها الآن هذه الكلمات،◆تبدو لي كقضبان السجن...
- 15لهذا أحب الكتابة،◆بين السطور وخلف الورقة على الريح...
- 16- أيتها المرأة الحزينة، هل تعرفين نفسك؟◆- أحدق في المرآة ، وأرى صورتي غريبة عني،
- 17فأسألها: من أنتِ أيتها البومة؟◆من هو ليلك؟ أي الرياح رياحك؟
- 18أي الأوطان وطنك؟◆لا تجيب...
- 19لكنها تفتح باب المرآة، ولا تقول شيئا...◆وتطير بعيداً...
- 20- أيتها المرأة الحزينة، ما الذي تبقّى من حبنا!◆- لم يبق من الدورة الدموية لحبنا،
- 21غير الحبر في قلمي...◆وها أنا أعيد صياغة حرائقنا، وأمزجتنا الموسمية،
- 22وأبني قصور الأبجدية من رمادنا...◆- دعينا نحاول من جديد...
- 23- أعذرني.. ليس لي صبر الأمواج◆لأقرع باب شطآنك دهوراً من الذل...
- 24لي حرية الأمواج وفضولها...◆وكالعصفور أمضي خلف الغصن المستحيل،
- 25المرتسم داخل بحيرات الدهشة...◆وكالعصفور، لا أحطّ على شرفتك إلا لأطير...
- 26- أيتها المرأة الحزينة سعيدة أنت في باريس؟◆- جيوب الغربة،
- 27مليئة بالسكاكر الشهية والبالونات الملونة،◆والمناديل الحريرية، والأرانب البيض،
- 28ولكنها لا تصلح رشوة لمشردة مشاكسة مثلي،◆محصّنة بشوقها إلى الوطن،
- 29رافضة لقارئة الكف ونقر الدف...◆- حين أكتب عنها يصير الفضاء لحظة تنّهد...
- 30بيروت؟ آه كيف يمشي البكاء في الشوارع...◆والحزن مكواة تركض فوق الملامح،
- 31وتمسح عنها التعابير الآدمية، كالابتسامة◆والشوق واللهفة والحلم،
- 32وتبدو وجوهنا جميعاً،◆مثل قميص أبيض خاو في مصح عقلي،
- 33خرج للتو من الغرفة المطاطية للقمع◆بعدما استجوبه الجنون طويلاً...
- 34في ليالي الانتحاب الأخرس.◆- أيتها المرأة الحزينة، كيف ترين ما كان بيننا؟
- 35- أحاول أن أتذكر التفاصيل، وأفشل،◆قأقوم باختراع ماض جميل لنا خارج تناقضاتنا...
- 36كيف أطيق أيامي بدونك وأخطو في نفق غدي◆إذا لم أخترع لنا زمناً يليق بأسطورتنا؟
- 37وثمة لحظات أرى فيها ما كان حقاً◆في ومضة صدق مختزلة... فيدمع قلبي.
- 38- وماذا ترين؟◆- التقينا. حملتني. سوّرت أحد حقولك وزرعتني فيه
- 39فزّاعة طيور تحت الثلج، ونسيتني شتاءات طويلة،◆ثم سألتني ليلة رأس السنة: لماذا أنت شاحبة هكذا؟!
- 40
منتصف ليل 1989 / 1990