ابن زيدون يستجوب ولادة العاشقة
غادة السمان37 verses
- 1* أنت متهمة بطيران الليل..◆متهمة بالمسافات، متهمة بالقطارات
- 2والصباحات المفاجئة في فنادق الدهشة◆وصحوة الذهول في شوارع مدن نائية..
- 3أنتِ متهمة بمغازلة المستحيل،◆متهمة برعشة السرّ أمام ليل يتدفق نجوماً
- 4متهمة بتمزيق الأقنعة والكمامات◆متهمة بكراهية القضبان الحديدية والأقفاص
- 5والصور المكبرة في الشوارع والمطارات، والجزمات "الميليشياوية"◆متهمة بالبنفسجي والأوكسجين والظل والصدى
- 6متهمة بكراهية الغرف المكيفة بغاز الفحم.◆- ومتهمة بحبكَ.. وحين يسألني القاضي
- 7سأقول له إنني مذنبة - بكل فخر -◆أرتكب صدقي في كل لحظة
- 8معلنة أن الغبار لا يصير تبراً بمرسوم◆رافضة مدائن القحط والتثاؤب والذباب والطوائف..
- 9منحازة إلى أجنحة العصفور ضد القفص،◆والطيران لا التحنيط
- 10متهمة بالشيء، ونقيضه،◆متهمة بحبك ورفضي لقيدك في آن،
- 11وأحاول أن أستحق شرف هذه التهم كلها◆ولا أطلب غير البراءة من براءتي..
- 12* هل أحببتني حقاً ذات يوم يا ولادة؟◆- كنت تحيط بحياتي كالضوء الذي لا يلمس
- 13ولست بحاجة إلى دليل على حضوره غير حضوره!◆كالضوء تتغلغل في أدق تفاصيلي اليومية والليلية
- 14خفيفاً كالريح، كفرحة سرّية◆كرفيف جناح عصفور عابر وليس كلسعة سوط.
- 15وثمة أمسيات كنت أجهل فيها◆أين ينتهي جسدي وأين يبدأ الليل..
- 16ثمة أيام لم أعرف فيها◆أين يبدأ فمي وأين تنتهي ابتسامتك..
- 17ثمة لحظات نادرة لم أميز فيها◆بين يدي ويدك، ومحبرتي ومحبرتك، وشروري وشرورك.
- 18تصير دورتنا الدموية المعكرة واحدة،◆وقلقنا واحداً، وقلمنا واحداً
- 19ونموت في شهقة غبطة واحدة...◆* ولكنك تجهلينني.. ذلك الحب كله، وتجهلينني!
- 20- حين التقينا للمرة الأولى◆كتبتك في أوراقي نسراً
- 21حين عرفتك جيداً - أو توهمت ذلك -◆سميتك نبعاً
- 22يوم تشاجرنا اكتشفتك خنجراً◆وليلة افترقنا ظننتك نجماً
- 23ويوم خنتني دعوتك وَغْداً..◆واليوم وقد أحببتك مئات الأعوام
- 24أراك بوضوح وأنا أذرف حبري◆وأعي أنك كنتَ كلهم مرة واحدة،
- 25نسراً وخنجراً ونبعاً ووغداً ونجماً،◆فقد كنت رجلاً حقيقياً...
- 26* هل بلغتكِ قصائدي؟◆- حين أتلو قصائدكَ على مسمع الليل كتعويذة
- 27يخرج وجهي من قناعه، وجرحي من مخبئه◆وتسبح أسماكي صوبك ناسيةً خلع بحارها عن أجسادها
- 28وتركض مهرتي صوبك، ولا تزال براريها عالقة في حوافرها...◆وتطاردك أزهاري مع بساتينها،
- 29ولأن الشيء وقرينه ونقيضه يحب حرفك◆تجرؤ قافلة نساء مثلي،
- 30على أن تنطق بكل أمزجتها ووجوهها وتقمصاتها◆في صرخة موحدة بلا حنجرة،
- 31لو كان لها صوت لهمست: ربما كنت أحبك!◆* كيف قضيت لياليك بدوني تلك العصور كلها؟
- 32- فوضى من الضياء الملون،◆كانت سهرتنا معاً أنت وأنا، ليلة لم تأتِ!
- 33رقصت مع غجريات قرطبة، زنَّرني حرير القمر◆احتفيت بحضورك الخفي
- 34وأنشدت له مع العباس بن الأحنف:◆"يا ليت من نتمنى عند خلوتنا
- 35إذا خلا خلوة يوماً تمنانا"◆حتى هطلت النجوم كالثلج فوق مجدنا الغابر كله
- 36وغطتني أوراق الأشجار عند الفجر◆وصاحت الشمس وهي تشرق: "أوليه"....
- 37
إشبيلية- 15 - 5 - 1991