تراجيديا عربية / الفصل الثاني

علاء الدين عبد المولى

107 verses

  1. 1
    سيسافرون غداً وبعدَ غدٍ، وأبقى خلف ظلّي‏◆كجنازةٍ يقفُ الصَّقيعُ على رؤوس مشيِّعيها.‏
  2. 2
    أستقبلُ الدّيدانَ منذ الفجرِ، تنبئني الجرائدُ‏◆أنَّ مخزونَ القصائدِ فوق أخشاب الموائد قد يجفُّ...‏
  3. 3
    فقلتُ: مِنْ شمسٍ تخونُ ذرى بنيها.‏◆فارَتْ ضلوعُ البرق في رئتيَّ،‏
  4. 4
    أنثاي الصّغيرةُ لم تقلْ هَجَرَتْ طيورُ الخبز‏◆لكنَّ الصَّغيرَ بكى، فكوّرتُ الجريدةَ قلتُ نعجنُها رغيفاً‏
  5. 5
    كان فصلُ الجوعِ أطولَ من لساني‏◆أين أبَّهةُ الأغاني‏
  6. 6
    حين يحتشد النَّباتُ على المكانِ‏◆وتنحنى أعناقُ جدّاتٍ على أحفادهنَّ،‏
  7. 7
    وترقصُ الأحلام في نَسَقٍ من الزَّيتون...‏◆هل قَلَبَ الإلهُ مسيرةَ الأشياءِ فينا؟‏
  8. 8
    أم نحنُ مقلوبون منذُ البدءِ؟‏◆كم كنّا نربي في خلايا النَّحل شهوتَنا‏
  9. 9
    فيسرقُها الضّياعْ‏◆هل نحن منذورون للغاباتِ في هذا المدى؟‏
  10. 10
    نلتمّ في كهف الصَّلاةْ‏◆نصطادُ مِسْكَ غزالةٍ شرَدَتْ بعيداً في الصَّدى‏
  11. 11
    ونعودُ نحو بيوتنا فنرى موائدنا تباشرُ رقصةَ الفوضى‏◆وتُخبرنا النّساءُ بأنَّ وحشاً غامضاً‏
  12. 12
    دخَلَ البيوتَ وخلَّعَ الأحداقَ واستلقى على المهدِ الحرامْ‏◆هل نحن منذورون للغاباتِ؟‏
  13. 13
    ذاتَ سحابةٍ أيقظتُ كارثتي، لبسْنا بعضَنَا،‏◆كانَتْ مدينتُنا مطوَّقةً، وحارتُنا معلَّقةً برجليها،‏
  14. 14
    رأينا من نوافذنا الجنودَ يفتشون الفجرَ‏◆قلنا: سوف تَخْرَبُ، ردّدت أمٌّ: لتخرَبْ...‏
  15. 15
    هذا نذيرٌ من غَضَبْ‏◆ودفنتُ رأسي تحت كرسيٍّ من النّيرانِ‏
  16. 16
    تجلسُ فوقَهُ بعضُ الكتُبْ‏◆ورميتُ فوق النّار روحاً من خَشَبْ‏
  17. 17
    ورأيْتُ روحَ اللّه أجنحةً تشيّعُ صرختي...‏◆بيدي أشرتُ إلى السَّماءْ‏
  18. 18
    هذي شعوبٌ من قبائلَ، أم غيوبٌ في السَّلاسلْ؟‏◆هذا نهارٌ ليسَ للأنثى به برجٌ لتسرقَ منهُ ليلةَ عرسها‏
  19. 19
    هو وقُتنا صَرْحٌ على أطلاله ترعى الوحوشُ اللاَّبساتُ‏◆دروعَ آلهةٍ، وتَصفرُ فيه ريحٌ غامضَةْ‏
  20. 20
    وقتٌ لعائلةٍ مضَتْ يستيقطُ الغثيانُ في أرحامها‏◆وتفحّ في شرفاتها أفعى العبثْ‏
  21. 21
    وقت يحاولُ حكمةَ الرّؤيا...‏◆كأوراق الخريفْ،‏
  22. 22
    نحنُ/ انفجرْنا عند منعطفٍ، هَوَتْ قمصاننا،‏◆وتجمّعَ الأولادُ حول نخاعِنا يتندَّرون بشكلِهِ:‏
  23. 23
    هذا نخاع للمغنيّ،‏◆آخرٌ لمرتِّل الآلامِ،‏
  24. 24
    هذا للمطأطىءِ ظِلَّه ذلاًّ،‏◆وهذا للّذي يهذي...‏
  25. 25
    و... أهذي أيها الطاعونُ، يا مدلولنا اليوميَّ،‏◆أهذي... لنْ أتابعَ لعبةَ الشّعراءِ حين يرتبون جنونهم‏
  26. 26
    فليصعِد الهذيانُ‏◆ولتنزلْ أباريقُ الغمام على موائِدنا‏
  27. 27
    ستلمعُ في حواشيها قناديلُ الوفيّاتِ القديمَةِ والجديدةِ،‏◆بعضُها مدنٌ يلوطُ بها العذابُ،‏
  28. 28
    وبعضُها مستنقعٌ سمّوه مؤتمراً ستغشاهُ الطَّحالبُ،‏◆والكواكبُ من ذرى صهيون تهبطُ في ضفافِهِ...‏
  29. 29
    بعضُها... آهٍ علينا أيّها الهذيانُ،‏◆حتَّى أنتَ نَزْفٌ فوق أوتار الوضوحْ‏
  30. 30
    آهٍ علينا كم طوينا الأرضَ، نبحثُ تحتَها عَنْ قرن ثورٍ هائجٍ‏◆لنعيدَ شطرنجَ التّوازنِ بين ثوراتٍ تفتتُ خبزَنا‏
  31. 31
    وتشدّنا نحو المهاوي‏◆وتوزّعُ الأمواتَ فينا بالتَّساوي...‏
  32. 32
    ما عدتُ أبصرُ مغريات البلبل القُزَحيِّ في غَبَشِ الظَّلامْ‏◆مدَّ الظّلامُ لسانَهُ في وجه أغنيتي ولوَّثني،‏
  33. 33
    وغطى حلمةَ الفرح الوحيدةَ، كنتُ أرضَعُها وأهربُ‏◆من مواعيد الفطامْ.‏
  34. 34
    كسرَ الظلام زجاجَهُ من شرفةٍ عُلْيا على رأسي،‏◆تناثرتِ الشظايا والدَّمُ الشّعريُّ بلَّلني،‏
  35. 35
    وقيَّدني الهواءُ‏◆فلا رئاتي مَشْرِقٌ للرّيحِ،‏
  36. 36
    لا عيناي إطلالٌ على عُرْسٍ،‏◆لساني سابحٌ في دفء وهمٍ من كلامْ‏
  37. 37
    هذا الظلامْ‏◆رحمُ الوجودْ‏
  38. 38
    فيه اتخذنا النَّشأة الأولى، وقبَّلْنا مناجلَهُ تبعثرُ‏◆قمحَنا الرّوحيَّ في أفق الحديدْ‏
  39. 39
    هذا الظلامُ مليكُنا، يوحي إلى حُجَّابِهِ:‏◆انتشِروا بأدغال المدينةِ،‏
  40. 40
    علِّقوا صُوّري على قضبانِ شهوتكم،‏◆وسمّوا كل ممسوخٍ جديدْ،‏
  41. 41
    باسمي، اجمَعُوا ذهَباً لمولاتي،‏◆ولا تنسوا لسانَ الأرض، شُدُّوهُ، ازرعوه في‏
  42. 42
    فمِ الحربِ المباركِ كي يباشرَ بالنّشيدْ...‏◆بيدي أشرتُ إلى الحروب المشرقيَّةِ‏
  43. 43
    كيف تبدأُ؟ كيف تصعدُ؟كيف تنمو، ثم تُخْتَتَمُ الحروبْ‏◆من أجل سروال الأميرة، من سيُلْبسُهُ لها؟‏
  44. 44
    تسريحةِ الفخذين في عيدِ الختانِ، ومن ينقّبُ‏◆فيهما عن بئر نفط مقفلٍ؟‏
  45. 45
    من أين تبتدىءُ الحروب وكيف تُختتم الحروبْ؟‏◆عبثٌ تصدّرُه محطَّات الإبادة والبيوتُ البيضويّةُ إذ تغلّفُ‏
  46. 46
    سمَّ معدنها بأوراق الحريرْ‏◆من يسندُ الرّؤيا وقد سقطتْ على هاماتِنا ألواحُها؟‏
  47. 47
    من يجمَعُ الجنديَّ بعثَرَهُ الدّخانْ؟‏◆من يحجُبُ الأرضَ العراءَ عن الفضاءِ الكيميائي؟‏
  48. 48
    خلعَتْ نساءُ العمرِ أرديةً الشّتاءِ‏◆نامَ الجنودُ، وكان لونُ النَّوم حلماً من دماءِ‏
  49. 49
    حلموا، وكان الحلمُ أصغَرَ من إلهٍ كيميائي‏◆بيدي أشرتُ إلى الحروبِ المشرقيّة، كنت أحرس نبضكِ‏
  50. 50
    اللهبىَّ، والآن انتبهتُ إلى غبائي‏◆عندما هربتْ قوافلُنا من الحربِ الأخيرةْ...‏
  51. 51
    هربتْ قوافلُنا من الحرب الأخيرةْ‏◆جنحتْ إلى السّلم القبيلةُ،‏
  52. 52
    واستظَلَّتْ أمَّةُ الأطلالِ بالنَّخلِ العقيمِ،‏◆ونام شيخُ البدو في قارورة الأحلامِ،‏
  53. 53
    نام الفارس الخشبيُّ في حَجَرِ الأميرهْ‏◆وبكت على الأرض العشيرهْ.‏
  54. 54
    لم يبق حوذيٌّ، ومركبةُ الرَّحيل تعثَّرت بعظامنا‏◆الآن من يمشي، يشيّعُ جرّةَ الطّين الشّهيد إلى الخلودِ؟‏
  55. 55
    أو منْ يدلّ ضحيّةً عمياءَ أين ترابها؟‏◆وتراثُها قبرٌ من الأسرارِ‏
  56. 56
    تتلو فوقه حربُ الطّوائف سورةَ الغزوات:‏◆طائفةٌ تطوف على كنوز مدينةٍ سحريةٍ‏
  57. 57
    أُخرى ستنسجُ من جلود الخيلِ قبّعةً لكاهن ((أورشليمَ))‏◆وتلكَ طائفةٌ ستهجرُها المعابدُ حين يحشو فقرُها‏
  58. 58
    أمعاءَ قتلاها وتزحفُ باتّجاه هلامها‏◆وترى بمعراج السَّراب خريفَ جنَّتها الفقيرهْ.‏
  59. 59
    هذا جموحُ الفتكِ، فازرَعْ رمحكَ القَبليَّ في رأس النَّخيلْ‏◆وتدلَّ من قدميكَ في أنبوب غاز واغتسلْ‏
  60. 60
    قد أذَّنَ الفجرُ الأميركي المسلَّحْ‏◆فاطلَعْ على الأرض الهجينةِ باسم قاتلكَ المجنَّحْ‏
  61. 61
    واقرأ له/ إنّا فتحنا المعجزاتِ بعَجزْنا/‏◆واذبحْ على مرآه زوجتَكَ الأليفةَ،‏
  62. 62
    اتخذه سيّداً، أو: تُشْترى من حلمكَ العاري وتُذْبَحْ‏◆هذا جموح الفتك، فاجمَحْ...‏
  63. 63
    قال المغنيِّ- والقصيدةُ طينةٌ خرساءُ-‏◆/ إنّ الأرضَ عاشقةٌ، ومن يعشَقْ سيُفْضَحْ/‏
  64. 64
    قال المغنّي إنَّها الصَّحراءُ تنتجُ عالماً من معدنٍ‏◆طالت أظافرُهُ لتخدُشَ جنّةَ الرّؤيا، وتجرَحْ،‏
  65. 65
    نسيانَنا، فيسيل فوق الأرضِ،‏◆صحراءٌ تبيعُ الرّيحَ بالميزانِ،‏
  66. 66
    طوفي ... ...‏◆طوفي بنا يا ريحْ‏
  67. 67
    فاضَتْ مواجدُنا‏◆شَفَقُ الزمان ذبيحْ‏
  68. 68
    والشَّيبُ سيّدُنا‏◆وفضاؤنا تلويحْ‏
  69. 69
    لغدٍ يبدّدنا‏◆ما زال كلّ كسيحْ‏
  70. 70
    يحبو ويُنشدُنا‏◆أغنيّةَ الرَّغباتْ‏
  71. 71
    يا لحظةَ الشَّللِ‏◆مات المفدَّى ماتْ‏
  72. 72
    وقصيدةُ البطلِ‏◆سقطتْ عن الكلماتْ‏
  73. 73
    في هوّة الأزلِ‏◆ومضتْ بلا ميقاتْ‏
  74. 74
    وحديقةُ العسلِ‏◆جثُثُ من النَّحلاتْ‏
  75. 75
    ملّتْ من الملَلِ...‏◆دخلتْ مراثي الرُّوح فصلَ سقوطها العربيِّ..‏
  76. 76
    عهدٌ تُستْعادُ رموزُه‏◆منذ انبثاق النُّور‏
  77. 77
    حتَّى نخلةِ الدَّيجورِ‏◆من يسمو على هذا الرُّكامِ؟‏
  78. 78
    وهبتُكِ الأسماءَ يا مأساةُ‏◆عاليةٌ هي الأسوارُ بين طيورِنا وسمائِنا‏
  79. 79
    فخذي عبيرَ هوائنا‏◆سنقول عنكِ: أتيتِ من ضلع الكلامِ‏
  80. 80
    قصيدةً سجَدَتْ لها الأجداثُ،‏◆زوَّجناكِ كلَّ نسائِنا‏
  81. 81
    ومشتْ إليكِ شواردُ الأجناسِ تقرأُ لغزكِ الكونيَّ‏◆تُنشدُه على أبنائنا‏
  82. 82
    من طينةِ المأساةِ كُوِّنَّا، فسبحانَ الَّذي‏◆مسَحَ المدى بدمائِنا...‏
  83. 83
    قال المغنّى: في القصيدةِ أمَّةٌ‏◆كم كنتُ أنبشُ في مقابرها لأبحثَ عن كتابٍ‏
  84. 84
    لم تزلْ أوراقُه في الغيبِ يسُكِرَها الضَّياعْ‏◆قال المغنى: في القصيدةِ، في ضفائِرها، زهورٌ للتّكاثرِ.‏
  85. 85
    هل أفاخرُ في القيامةِ بالبنينِ،‏◆وحربُنا ابتَعَدتْ وما ابتعَدَتْ؟‏
  86. 86
    ستأكلُنا طواحينُ الحروبِ، يؤرِّخُ الدَّمُ وقتنا‏◆ويقولُ صمتٌ صمتنا.‏
  87. 87
    قل يا نبيَّ الهجرة الأخرى، بأيِّ كواكبِ الرّؤيا نعلّق موتنا‏◆وبأيّ ربٍّ يحتمي الوادي المقدَّسُ؟ إنْ مشى‏
  88. 88
    وحشُ المعادنِ في الحقولِ ليُسْكِتَ الينبوعَ‏◆عن إنشاده؟‏
  89. 89
    أفقٌ رمتْ أبعادُهُ لهباً على أبعادِهِ‏◆والمعبدُ الرّوحيُّ ألقى فوقَ سورِ اليأس سادنَهُ‏
  90. 90
    وأخفى خلسةً ناقوسَهُ، وبكى على عُبَّادِهِ.‏◆قال المغنيّ: لو حفرتُ على جدار الكهف أسماءَ الهزائمِ‏
  91. 91
    غير أنَّ الكهفَ أضيَقُ من هزائِمنا، وقالْ:‏◆مالتْ بنا شمسُ الرَّحيل/ وما يزالْ‏
  92. 92
    هذا المدى رحماً لميلاد النَّخيل/ فيا رمالْ‏◆لا تهتكي سرَّالطّلول/ فكلّنا طللٌ،‏
  93. 93
    ولا تستنكري شيبَ الخيولِ/ فكلّنا كهلٌ...‏◆هذا الفضاءُ على تصدُّعِهِ وأسرفَ في الزَّوالْ...‏
  94. 94
    قال المغنيِّ:‏◆زحَفَ الخرابُ على أصابِعِهِ وإنيِّ‏
  95. 95
    زاحفٌ بحناجري/‏◆للشّعرِ حنجرةٌ، وللحربِ‏
  96. 96
    للموت حنجرةٌ، وللحبِّ‏◆بجنود أحلامي سأهبطُ في‏
  97. 97
    أرض التَّلاشي خالقاً ربيِّ‏◆أرضُ النّبوّة تلكَ مثقَلَةٌ‏
  98. 98
    من كاهناتٍ لمْ تعدْ تُـنْبى‏◆أرضٌ من التّيجانِ ضائعةٌ‏
  99. 99
    في جوف طاغوتٍ بلا شعبِ‏◆أرضُ الكنوز جهاتُها اختلطتْ‏
  100. 100
    فجنوبُها في شرقها الغربي‏◆أرضٌ بسحر السّحر مضّمَرَةٌ‏
  101. 101
    نادى عليها الحزن أن هبّي‏◆وهبي هواءَكِ بضعَ معجزةٍ‏
  102. 102
    تحمي القبيلةَ من يدِ النَّهبِ‏◆أرضٌ من الأشلاءِ تَرْصُدُها‏
  103. 103
    عينٌ تشعُّ بجمرة الغيبِ‏◆نذَرَتْ لماءِ الغير جنَّتها‏
  104. 104
    ومضَت بلا زهرٍ، ولا عشبِ...‏◆هربت قوافلُنا، قريشُ مشَتْ على جثمانِها‏
  105. 105
    واستلهمت عكّازَ قاتِلها،‏◆على الباب المذهَّب كان فَحْلُ الحلف ينتظر النَّبيّْ‏
  106. 106
    قال المغنيْ: عندما قُتلَ النَّبيُّ بكت مآذنُ يثربٍ،‏◆ورمت جبالُ الأرض عن أكتافها زهرَ الأمانةِ،‏
  107. 107
    وانطوى عهدٌ سترويه الرّياحُ عن العجائزِ...‏◆هكذا هربتْ قوافلُنا، فطوبى للهَرَبْ‏