تراجيديا عربية / الفصل الأول

علاء الدين عبد المولى

94 verses

Dedication

بيدي أشرتُ إلى التّرابِ:‏

  1. 1
    أنا صداكَ الآدميُّ أنا وآيتكَ الفقيرهْ‏فلأيّ طاغوتٍ تضيءُ دروبُكَ الخضراءُ؟‏
  2. 2
    تولمُ أسْرةُ الأشياءِ مائدةَ الدّخول إلى الركوعِ المطلّقِ‏آذنتُ لليأس العظيمِ: خذ النّشيدَ وصمتَهُ‏
  3. 3
    وأدخل إلى الرّوح الشَّقي‏أنا يا ترابَ القلب ميراثُ الخضوعِ،‏
  4. 4
    أنا ممرٌّ ضيّقٌ لقوافل الأفراحِ إذ تنسابُ من‏رحم الفضاءِ الضّيّقِ‏
  5. 5
    ماذا تبقّى الآن؟ ينتشرون كالطَّاعون في أحداقنا‏ماذا أسمّيهم؟ ثيابُ الحرب تطويهم‏
  6. 6
    مزاميرُ السلاح صلاتُهم، والأرضُ رهْنُ دخانهم‏والذكريات دخول أيديهم إلى أرحام كل الوالدات.‏
  7. 7
    ماذا تبقّى يا حياةُ من الحياةْ؟‏جسدي يطاردني، وأطفالي ورائي ينشدونْ:‏
  8. 8
    يا والد الأسماء علِّمنا، فقد بلغَ الجنونْ،‏حدّ الجنونْ...‏
  9. 9
    جسدي أدحرجُهُ على جَبَلِ البكاءِ،‏أعود أحمله إلى الأعلى، أدحرجه وأحمله،‏
  10. 10
    فتخرجُ من خلاياه القبائلُ،‏تبدأ الرحلاتُ موسمها ويمضي الراحلونْ.‏
  11. 11
    رحلوا، ووحدي فوق جثّة قاسيونْ‏بيدي أشيرُ إلى التّراب إلى السَّحاب: تزوَّجا،‏
  12. 12
    هذي المدينةُ أفرغَتْ شريانها من شهوة الدَّمِ،‏سوف تمضي جوقةُ الأمطار عنّا‏
  13. 13
    حين ينسلخ الجنودُ عن الجدودِ‏ويضيقُ خلف ضبابنا الشّعبيِّ تابوتُ الشَّهيدِ‏
  14. 14
    وحدي أحَدّقُ في هلام الأرض:‏تاريخٌ تَصَهْيَنَ نبعُه.‏
  15. 15
    أيّ الإمارات السَّعيدة باركَتْ خبزَ اليتامى‏في صباحهم المسيّج بالنُّعاسْ‏
  16. 16
    من عَهْدِ (قحطان ) إلى عهد التّقنَع بالنُّحاسْ‏هذا المكانُ متوّجٌ بنوافذٍ تتسربُ الأسرارُ منها‏
  17. 17
    نحو هاويةٍ...‏لهذا الرُّوحِ رقصتُهُ، اسنديني يا رؤى الأشباحِ‏
  18. 18
    كفِّي... أين كفي؟ أين نبضُ دمي؟‏... غموضٌ راسخٌ فينا، هواءُ القمح مسمومٌ،‏
  19. 19
    تنفَّسْ أيّها الجسد الذي يسري مع الهذيانِ‏كوّرْ ظلَّكَ الخشبيَّ، واسفَحْ شكلَكَ العربيَّ،‏
  20. 20
    واقرأ في كتابِ الحرب خاتمةَ المطافْ‏هل أرفع النُّذرَ الأمينةَ‏
  21. 21
    والهياكلُ ملتقى لعناكبِ الطَّاغوت‏تلتقط الفراشةَ والحمامةَ والخرافْ‏
  22. 22
    وأنا أخافُ، أخافُ من خوفي ومن نصفي ،‏ومِنْ روحي تئنّ وحوشُها المسترسلَهْ‏
  23. 23
    أنا شاعرُ الميراث، منكَسر التَّواريخ انتشيتُ برغوة العبث‏الذي طافَتْ بحارهُ في دماغي...‏
  24. 24
    نَهْرُ هذا اليأس من قدميَّ ينبغُ.‏يا أبا الإنجيلِ، متَّحدان نحن، فخُذْ خريفَ الجلجُلهْ‏
  25. 25
    وارفع صليبكَ نحو مئذنتي،‏فإني فوق خيمةِ هذه الأقوامِ منفردٌ فريدٌ،‏
  26. 26
    بالمقابر أحتمي إذ يخذل الرّوحُ الأمينُ مباهجي،‏وتضيعُ جوهرة التّراب، ويحضرُ الشّبحُ القديمْ‏
  27. 27
    تهتزّ إذ يأتي رفوفُ طيورنا‏تساقط الأثمارُ في نسلٍ من الآلام‏
  28. 28
    آهٍ يا أبا السَّموات، وحدي‏نافخٌ في جوف كفِّي نارَ معجزةٍ ليحترقَ الغناءُ‏
  29. 29
    لمن أرتّبُ هذه الفوضى؟ وأنّي شاعرٌ‏يبكي البكاءُ عليه أو تهوي السماءْ؟‏
  30. 30
    جبلُ التَّفجُّع صاعدٌ في الرّيحِ‏قاسيون الصَّديقُ يخبّىء الجنَّات عن شهدائه‏
  31. 31
    وسماحة الشَّبح المقولبِ يقلبُ الآياتِ عن أسوارها‏لتضيءَ تحت ردائِهِ‏
  32. 32
    وتكونَ لائقةً بشمس عشيرةٍ حَشّدّتْ بنادقَها‏وطاولَ صرحُها ريحَ الصَّهيلْ‏
  33. 33
    وهناك أكشفُ حارساً يستنبتُ الطَّلقاتِ من أعناقنا‏مهلاً على أشواقنا يا حارساً قصرَ الفصولْ‏
  34. 34
    لن نحتمي بجدار قصركَ ليلةً أخرى، فلا تحزنْ،‏بقايا نحنُ من خَدّرِ الشّعوبِ،‏
  35. 35
    ويقظةُ الأطلالِ بعد حريقها‏لن نرمي الأشواكَ عن هامِاتنا نحو السّقوف المخمليّةِ‏
  36. 36
    لن نُجاهِر بالشَّقاءْ‏مهلاً فنحنُ قبيلةُ الموتى، لكمْ طولُ البقاءْ...‏
  37. 37
    أين اتّجهتُ بهذه الأغنيّة الحمقاءِ؟‏عُودي يا قصيدةُ... هذه مرثيّةٌ لك،‏
  38. 38
    لن يهبَّ نسيمُكِ اللّغويُّ ثانيةً، لأنيِّ‏بايعتُ كلَّ الأنبياءْ‏
  39. 39
    وجميعُهم يتجادلون على عيوني كيف تُفْقَأُ؟‏أنا كم رأيتْ‏
  40. 40
    وكتبتُ: للأنثى وزينتِها البهيَّةِ،‏للخمور البابليَّة،‏
  41. 41
    للصَّلاة وراء نعش الأمة العرجاءِ،‏للأشياءِ في باكورة العُمر الجميل،‏
  42. 42
    لشارع الحجر القديمْ‏وكتبتُ: للّغةِ الجديدةِ، سحرُها من خطوتي‏
  43. 43
    ينساب يُنبوعاً خفيّاً من نسيمْ.‏وكتبتُ: للكهفِ المقيمْ‏
  44. 44
    في داخلي.‏ورقصتُ في عرس القطافِ من السَّماء العاشرهْ‏
  45. 45
    وسئمت خمرَ الأصدقاء، شتمتُ بعض الأتقياءِ،‏تقيأتْ روحي كلاماً في هجاءِ العاهرَهْ‏
  46. 46
    أنا كم رأيتُ، وكم كتبتُ، ولم أزلْ طفلاً بعينٍ حائرهْ‏حتّى انكسرتُ إلى نهايات المدى‏
  47. 47
    ورأيتُ أشلائي يقشّرها ملوكٌ يولمون الأرض فاكهةً‏لمائدة السّوادْ‏
  48. 48
    فأقمتُ في ذاتي، أطأطىء زهرتي وأقول:يا...‏يا ضَيعةَ الشهداء في حرب الكلامِ.‏
  49. 49
    فولولتْ خَلْفي نساءُ الرّوح: يا...‏يا حسرةَ الأبناء ينتظرون عودة جدِّهم من (أورشليمْ)‏
  50. 50
    وكتبتُ... حتّى أنَّ شيباً في جدار القلب يبزغُ‏أو ضموراً في يد الأفراح،‏
  51. 51
    أو قبراً تفتَّحَ في ابتهالاتي الشَّريدهْ‏عارٌ يؤرّخني... وكيف تقومُ من عارٍ قصيدهْ؟‏
  52. 52
    لا سرَّ بعد الآن... طوبى للخيانةِ، يا صغارُ ويا ثكالى‏العهرُ أوضَحُ من بكاء الشمس، فلنُزِلِ الظِّلالا‏
  53. 53
    ولتنكشفْ هذي السَّتائرُ، خلفها وطن من التَّوراةِ يُبْعَثُ،‏أمّةٌ بجماجم الأمواتِ تعبَثُ،‏
  54. 54
    خلفها قُبَلٌ مؤدلَجَةٌ ترسَّبَ ماؤها في نهرنا اليوميِّ‏طوبى للوضوح أقولُ‏
  55. 55
    يا لُغتي تهاديْ مثل موكب شاعر‏مُزجت خلاياه بإيقاع القرَفْ...‏
  56. 56
    غسل المغنيّ كفَّه من ناي لذّته وأعراسِ التَّرفْ‏كل الوصايا تحت كعب السيّد الكونيِّ،‏
  57. 57
    ألواحُ الخزَفْ‏نُقشت عليها سيرةُ الشّهداء، باعَتْها المليكةُ في مزادٍ‏
  58. 58
    تنحني فيه تويجات الشَّرفْ...‏لا سرّ بعد الآن، فكرتُنا القديمةُ فحمةٌ‏
  59. 59
    لن تستردّ الدفءَ في هذا الشتاءِ المعدنيّْ‏إذ غابَ بستانَ الغمام،‏
  60. 60
    وباع قصرُ البرقِ لؤلؤه لعاصفة الرّمادْ‏وتوحَّد الرّوح الشَّقيُّ بذاتِهِ وتراجَعَ الرُّوحُ الشَّقيّْ.‏
  61. 61
    بيدي أشرتُ إلى القوافل: أبطئي...‏لرنينِ أجراسِ القوافِلِ أنحني حزناً،‏
  62. 62
    يسيرُ حُداتُها متذمّرين من الغبارِ،‏أقولُ ليس غبارُكُمْ ذهباً، هو الكيمياءُ تنفُثُ سِحْرهَا‏
  63. 63
    والطاَّئراتُ تهزّ أشجارَ الصَّلاةِ، فأبطئي...‏الأفقُ فارغةٌ يداهُ من النّجومْ‏
  64. 64
    ومغارةُ الأسطورة الأولى غزاها العنكبوتُ‏وليس من نصٍّ يضيءُ سقوطنا العَلَنيَّ،‏
  65. 65
    هذا ليسَ من لغةٍ،‏وهذا ليس لعنةَ جدِّنا المشبوهِ،‏
  66. 66
    هذا مستطيلُ الهاويةْ‏فتقدَّمي يا خيلُ، يا أبراجَ تَمْرٍ يعربيٍّ،‏
  67. 67
    يا عيونَ مها الفراتِ‏ويا بنات الكاظمية‏
  68. 68
    يا عجائزَ مكَّةَ الأولى‏سيكبَرُ مستطيلُ الهاويةْ‏
  69. 69
    فتقدَّموا.‏يا خالق الأحجار قرب دمار بيتكَ‏
  70. 70
    يا مُعِيدَ العمر من بدء الضَّياعْ‏يا هيكَل الإيقاع، يا لغةَ الصّراعْ‏
  71. 71
    لا تقنطوا من رحمة الأعداءِ،‏سوف يشّوهون سماءّنا النَّجميَّةَ الأبعادِ،‏
  72. 72
    لكن لن يمدّوا في انهيار الحلم جسراً...‏سوف ينتقلون من سرٍّ إلى علنٍ،ومن ورقٍ إلى وطن،‏
  73. 73
    ولكن لن نراهم خارجَ الغُرفِ البعيدةِ عن أغانينا...‏ولا... لا تقنطوا من طعنة العشّاقِ،‏
  74. 74
    عرشُهُمُ المزيَّنُ بالجماجمٍ سوف يُسْقِطُ‏في جموع الجوعِ تفّاحاً من الكلماتِ،‏
  75. 75
    هل ننسى بأنَّا ذاتً معركة خسرْنا ربَّنا‏لتفوز أنهارٌ بشطآنِ الأَبَدْ‏
  76. 76
    أبدٌ... أبدْ‏وأنا هنا ولدٌ يسيرُ على رماد الحبِّ، حافيةٌ أصابعهُ‏
  77. 77
    وعاريةٌ رؤاهُ،‏كان يأتي في غزال الحلم،‏
  78. 78
    أغلقت الحدائق عطرها وتمايَلَتْ سكرى على‏سُورِ الدّفاع عن الأفاعي...‏
  79. 79
    عد نحوَ أمّكَ، هذه أرض الخَزَرْ‏عد نحوَ مهدكَ وارم من يدك القَمَرْ‏
  80. 80
    مستنقعُ الثورات نحنُ، ونحن جسرُ الغيم محمولاً‏على حَجَرَينْ كانا تائهيْنِ عن الحَجَرْ‏
  81. 81
    الأرضُ والقمحُ المقدَّسُ، والتّراثُ المخمليُّ،‏ومهرةُ الرَّغباتِ... هذا كلّه زبدٌ، زبدْ‏
  82. 82
    عُدْ يا ولدْ‏ضاعَ البلدْ‏
  83. 83
    بيدي أشرتُ إلى البلادِ،‏وتلكَ طائفةٌ من الهذيان تسحبُني إلى أوكارها‏
  84. 84
    مدَّدتُ أعضائي على حَبْلِ الغسيلِ، رأيتُ حبلَ المشنَقهْ‏خاطبتُ ربَّ اللذَّة الخرساء عن ميعاديَ البحري، حطَمَ زورقَهْ‏
  85. 85
    ووضعتُ أنفي في ركام العطرِ،‏كانتْ حلمةُ الأنثى تنزّ مشقَّقَهْ‏
  86. 86
    ما كان لي صوتٌ ليقطفَهُ غنائي‏أين أُخْفي كلَّ هذا اليأسِ؟‏
  87. 87
    لولاه رقصتُ على الذَّهَبْ‏وحشوتُ ظلَّ الطِّفل فاكهةً وحلوى،‏
  88. 88
    أو رميتُ على مخيَّمه اللّعَبْ‏لولا انهمارُ اليأس من أكتاف هذا العمرِ... لا،‏
  89. 89
    لا، لستُ خاتمةً لأصقاعِ البلاد،‏خذي سوايَ فلنْ أمددَ جرحيَ الأبديَّ فوق الطَّاولَةْ‏
  90. 90
    لا، لستُ حنجرةً لمنْ باعَتْ أساورها أمامي‏واستقالتْ من هيامي،‏
  91. 91
    وأنا نبيٌّ، لا إلهٌ في نهاري‏والشّوك أغلَقَ باب غاري‏
  92. 92
    وحدي أضاجعُ حلمي العاري، وآكلُ من غباري...‏بيدي أشيرُ إلى المكانْ:‏
  93. 93
    هل مِنْ هنا مرّتْ قوافلُهم؟ وهل كذبَتْ أساطيرُ الرجوعِ‏وأوقفَتْ نبض الرهانْ؟‏
  94. 94
    أم جفّ نعناعُ الضَّمائر، وانتشى حقلُ الزّؤانْ.‏مَنْ سوف يسندني إذا لأرجَّ أدمغةَ الزّمانْ؟...‏