مذكرات البحر الميّت

عزالدين المناصرة

95 verses

  1. 1
    جدّي كنعان لا يقرأ، إلاّ الشعر الرصينْ◆يلعبُ الشطرنجَ، أحياناً،
  2. 2
    يلاعبُ أحفاده، يتشعلقونَ بفرسهِ البيضاءْ◆أضِفْ، ﺇﻟﻰ ذلك ... جدّتي
  3. 3
    وهي من أصل هكسوسي◆لكنها، تزعم ﺃﻧﻬﺎ نبطيّة
  4. 4
    ترعى بقر الوحش ﻓﻲ بادية الشام◆تكتبُ على القرميد الأحمر، أشعاراً حزينة
  5. 5
    تحصد شقائق النعمان، ﻓﻲ أول كل ربيع◆ترقص ﻓﻲ ملاهي واق الواق:
  6. 6
    1. رقصة الثرثرة.◆2. رقصة الفخر.
  7. 7
    3. رقصة الهزيمة.◆عينا جدتي زرقاوان، كالبحر الأبيض
  8. 8
    ﻟﻬﺎ ضفائر لولبية شقراء، كأفاعي الماء◆وكفلٌ يتماوج خلفها، كفَقَمةٍ ﻓﻲ بحر الشمال.
  9. 9
    ﻟﻬﺬﺍ تزعم أحياناً،◆ﺃﻧﻬﺎ تتقن الهيروغليفية،
  10. 10
    تتقنُ الكنعانيةَ الفلسطينية السينائيةْ◆تتقنُ الأمازيغيةَ، والسُريانيةَ، والكُرديَّةْ
  11. 11
    ولغاتٍ أُخرى، لا تُحصى، ولا تُعدّْ◆رغم أنَّها، ﻟﻢ تدخلْ مدرسةَ محْوِ الأُميَّة.
  12. 12
    جدّتي، تحوّلُ الحجارةَ ﺇﻟﻰ سجونْ◆تذرذرُ الترابَ ﻓﻲ وجه من يديرون الشمسْ
  13. 13
    تسرقُ أخطر الوثائقِ من خزينة السلطانْ.◆جدّي كنعانْ
  14. 14
    أبيض، مرقّط، مثل أُم بريصْ◆يصطاد الحمام، ﻓﻲ أعالي جبال كنعانيا
  15. 15
    قابلَتْهُ الكاهنةُ◆ذاتُ الأنفِ الطويلِ،
  16. 16
    الشعر المنسدل على الكتفين،◆الساق الملساء، كالزبدة،
  17. 17
    الوجه الأحمر،◆الحاجب الكثّ،
  18. 18
    ضحكتْ له، كاهنةُ البوادي◆حتى استرختْ أعضاؤه،
  19. 19
    شربَ نبيذ الدير الجبلي،◆رمتْ جسدَها البضَّ عليه،
  20. 20
    عندئذٍ ... قال ﻟﻬﺎ:◆خُذي ... ما شئتِ ... من التراب!!!
  21. 21
    تكبرني جدّتي بعامين◆الشَعْرُ الأبيضُ ﻓﻲ رأسها، يغني ثلاث أغنيات:
  22. 22
    أغنية للذكرى،◆أغنية للحاضر،
  23. 23
    أغنية للهزيمة المقبلة.◆غنّيتُ لثوبها المطرّز من كل عقلي
  24. 24
    عزفتُ نصوصاً من كتاب النبيذ◆رَنْدَحَ صوتي غزلاً، لرمّان رأس العين
  25. 25
    ﻓﻲ عيد ميلادها، ﻓﻲ حقل القمح◆كانت الغزالات، يرقُبْنَ دموعي
  26. 26
    سكرتُ من عصير السفرجل المُشمّس.◆شربنا دنان الخمر، حتى قالت الذكرى:
  27. 27
    ﻟﻢ أشرب ﻓﻲ حياتي، كهذه المرّة.◆لعبتُ مع جدّتي، كرة السلة، وكرة الماء،
  28. 28
    وألعاباً أخرى، يعرفها المحكّمون ﻓﻲ المباريات.◆شبعتْ جدّتي، صرختْ ﺃﻧﻬﺎ متعبة،
  29. 29
    رجعنا آخر النهار◆وكانت تكبرني بثلاثة أعوام:
  30. 30
    الندى كان طافحاً على حبّات العنب البلُّوريَّة◆كريستال الصخور، يُشعشع دربَ الحبّ،
  31. 31
    من بيت لحم ﺇﻟﻰ الخليل.◆ﻓﻲ الطريق التي تؤدي ﺇﻟﻰ قلبي
  32. 32
    رحتُ أقولُ ﻟﻬﺎ: توهّجي، توهّجي◆ارقصي ﻟﻲ وحدي، رقصة الخَضْر،
  33. 33
    حين طعن غريمه◆قالت: هذه مدن، كلها ترقص، كالخنجر
  34. 34
    ﺛﻢّ جرّتني من يدي، ﺇﻟﻰ أعالي (مادبا).◆صَرخَتْ ﻓﻲ وجهي:
  35. 35
    قُل ﻟﻲ: كيف وصلَ الكذّابُ ﺇﻟﻰ هنا◆هذه ينابيع شعب مؤاب الكنعاني
  36. 36
    قُلْ ﻟﻲ: كيف قطع الصحراء◆ﻟﻢ يستطع يا ولدي، فانظُرْ غَرْباً
  37. 37
    نظرتُ غرباً ... لكنني، ﻟﻢ ألمح الخليل.◆عندئذٍ، خلعتْ قميصها، أركبتني على كتفها
  38. 38
    طارتْ جدّتي، نحو فضاءٍ، لا ينتهي◆قالتْ ﻟﻲ: اقرأ، اقرأ، اقرأْ،
  39. 39
    قلتُ: ما أنا بقارئْ◆صَفَعتْني بقبضتها: غداً ترون،
  40. 40
    يا نسْلَ الأُميّين ... بكيتْ.◆ﻓﻲ الطريق ﺇﻟﻰ صفصافة البيت،
  41. 41
    كان الرعاة◆حاملين شبّاباتهم، وأحزانهم،
  42. 42
    كانت تحكي ﻟﻲ عن سرقات الوقواق◆ذكرتْ ﻟﻲ - حرفياً – أسماء اللصوص
  43. 43
    وعندما ذكرتْ ﻟﻲ، اسمه، انتفضتُ،◆هتفتُ إذنْ، هو بعينه،
  44. 44
    هو بعينه، مَنْ سرقَ مشابك الغسيل،◆بخطّافه الذهبي،
  45. 45
    ضحكتْ جدّتي، وقهقهتْ:◆- ليس هو يا ولدي
  46. 46
    إنه أحد تلامذته.◆- لأمّي ضفائر سوداء، كليل الخليل
  47. 47
    تنثرها على ظهرها، عندما يكون عارياً◆كانت تضمّني ﺇﻟﻰ صدرها، ﻓﻲ ليالي الشتاء
  48. 48
    أما هذه الأيام، فإنها تخاف منّي◆ﻷﻧﻬﺎ قرأتْ مسرحيات سوفوكليس كلها.
  49. 49
    عسلٌ شفتاها من نحل الكرم الغربي،◆نهرٌ من لبن نعاج البريّة، ثدياها،
  50. 50
    ﻟﻬﺎ عينان بحريتان، كأجنحة الحمام،◆ﻓﻲ نشيد النصوص الكنعانية،
  51. 51
    قبل أن يسرقه العابرونْ.◆أمّي لا تحبُّ التشبيه، وتمقت الكناية
  52. 52
    تكره الكرنتينا على جبل ﻓﻲ الخليل◆حيث الدواءُ كلُّه أحمر.
  53. 53
    إنني ابنُ أﺑﻲ،◆واسألوا ليلة الزحف ﻓﻲ عريشة التين
  54. 54
    أرسلتْ ﻟﻲ أمي مكتوباً، قالت فيه، حرفيَّاً:◆ﺇﻧﻬﺎ تعشق ﻓﻲ هذه الأيام، ولداً يشبهني
  55. 55
    تمنيتُ أنْ أعود ﺇﻟﻰ رحمها◆بعد أن قطعتُ المسافة الأولى
  56. 56
    من باب الأسباط ... ﺇﻟﻰ بولاق الدكرور◆أمكنةٌ لا تعنيكم، إلاّ ﻓﻲ الأزمات.
  57. 57
    ولدتْ أمي ﻓﻲ الكرمل العالي◆ولد أﺑﻲ، قرب سدود الملح،
  58. 58
    ﻓﻲ قاع العاﻟﻢ، أيْ، واللهْ◆أما أنا، فسقطتُ فجأة، قرب عوسجة الماء
  59. 59
    كانت أمي، عائدةً من غابة الحطّابين◆ترجّيتُها كتلميذ، أن تلدني قرب عوسجة الماء
  60. 60
    ﻓﻲ منتصف المسافة المترددة◆حيث الذئبُ والدمُ وإخوتي
  61. 61
    تمنيتُ أن أصل الكرمل المعشوشب◆بحقول الملح، ﻓﻲ البقعة الواطئة
  62. 62
    قالوا ﻟﻲ: نصفك الآخر، سيقف كالجدار◆عندها هتفتُ، بأعلى يقيني:
  63. 63
    إنني ابن أﺑﻲ.◆- تفكّ أمي ضفائرها، مثل كل الكنعانيات
  64. 64
    ﻓﻲ أول أبريل◆تلبس ثوبها الرمادي
  65. 65
    ﻓﻲ الثاني من تشرين الثاني، ومنتصف أيار، تماماً◆تبحث هذه الأيام، عن لونٍ أشدّ حلكة
  66. 66
    للشهر الذي يليه◆تقرأ أمي الأشعار المحلية، والأجنبية،
  67. 67
    الروايات التراجيدية، والهزلية،◆لكنها تكره الروايات التاريخية
  68. 68
    وهذا هو السرّ ﻓﻲ ﺃﻧﻬﺎ تشرب◆ثلاثة كؤوس مُركَّزة ﻓﻲ ليلة واحدة.
  69. 69
    وتزعم أن هذا، لا يُنْقِصُ من حكمتها.◆- لأﺑﻲ شارب أسود، تعشقه النساء
  70. 70
    لذا سقطت أمي، تحت قدميه من أوّلِ الأغنية◆كنتُ أنظر إليهما ﻓﻲ ليلة العرس، من ثقب الباب
  71. 71
    هل جرّبتُمْ ذلك، مثلي◆حيث فقدتْ أمي، عفافها، لأول مرّة
  72. 72
    لكنهم أسموه – فيما بعد – زواجاً.◆رمتني أمي قرب غزالة الماء، فأرضعتني
  73. 73
    تمنيتُ أن أنمو ﻓﻲ الفلك السابح ﻓﻲ بحر عكا◆لكنني حين كبرت، وجدتُني مرمياً
  74. 74
    بين النخيل، وكلاب البحر◆وبدأت أصرخ، بأعلى شكوكي، والصقور تجرحني:
  75. 75
    صحرا ماء!!!◆وبطبيعة الحال: ﻟﻢ يسمعني أحدْ.!!!
  76. 76
    ﻟﻢ يسمعني أحدٌ يا أﺑﻲ.◆- جدّي كنعان ... بحّار بدويٌّ،
  77. 77
    يوزّع الحروف الجديدة، واللغات غير الدارجة◆قيل: جاء على فرسٍ من عسير!
  78. 78
    وعلى مركب أبيض من كريتْ!◆قيل: جاء على مُهرٌ من اليمن، ﻓﻲ سفينة أثينية!
  79. 79
    ثمَّ اكتشفتُ السِّرَ المخبوء:◆هنا كان أصلي وفصلي
  80. 80
    لم أجئْ من أيّ مكان آخر.◆قيل، ماذا يعني ذلك الآنْ!!
  81. 81
    فسائلُ الحروفِ فرعنتْ ﻓﻲ العاﻟﻢ.◆كان يخلط الحنين، بالزجاج والفخار
  82. 82
    ﺛﻢ يسقيهِ، بدمع الأرجوان◆يصلّي ﻓﻲ الجامع الأبيض ﻓﻲ (صور)
  83. 83
    يقرأ الصحف الخضراء ﻓﻲ (حيفا)◆يشرب الخمور الفاخرة، ﻓﻲ مطعم البحر
  84. 84
    حيثُ الرذاذُ، يجيءُ له بالأخبار العتيقةْ◆النورسُ الكلبُ، ﻟﻢ يقرأ العدد الصادر حديثاً.
  85. 85
    يطلب الثأر، قدّام حجر مؤاب◆يأتينا آخر الليل من غوطة الشام
  86. 86
    عيناه حمراوان، بلون أصداف (صيدا)◆شعره مشعث، كغابات الأمازون
  87. 87
    وإذا ﻟﻢ تصدقوني – اسألوا سهل البقاع.◆- تترك جدتي سجّادتها، عندما تراه قادماً
  88. 88
    ﻷﻧﻬﺎ فرصتها الوحيدة – تغطيهِ، تحت إبطها◆جدّي، يقرأ ﻟﻬﺎ قصيدته:
  89. 89
    (كنعانيا، إذا شئتِ أنْ تتطهّري من الفسادِ ...).◆ﺛﻢ يعرّج أمام مذهّبات العربْ
  90. 90
    يقرأ ﻟﻬﺎ شيئاً من الحب الرمادي◆شيئاً من الكذب،
  91. 91
    حتى يغدو كل شيء، فاقعاً وملتهباً◆تحمرُّ العروقُ ﻓﻲ وجنتيها،
  92. 92
    عندئذ تطلب جدّتي، الثأر الحميم،◆تسأله عن كاهنة البوادي،
  93. 93
    وتحوم ﻓﻲ أرجاء الغرفة، كالمجنونة.◆توقف جدّي عن الهذيان
  94. 94
    واستعدّ للرقاد الشتوي والندم◆وقال ﻟﻬﺎ يا سيّدة كنعانيا:
  95. 95
    - سننام، حتى يأتي شهرُ حزيران،◆عندئذٍ: ... نتذكر موتانا.