أدركت شأوك فاتق الأسواء

جرمانوس فرحات

84 verses

Era:
العصر العثماني
Meter:
بحر الكامل
  1. 1
    أَدرَكتَ شَأوَكَ فاتَّقِ الأَسواءَ◆فالشيبُ حَلَّ بِلِمَّةٍ سَوداءَ
  2. 2
    لا حَبَّذا ضَيفٌ أَلَمَّ بعارضي◆بَسَمَت لهُ الآجالُ لَمّا جاءَ
  3. 3
    هَبَّت بفُلكِ جُسومنا ريحُ العفا◆سَحَراً وكان هُبوبها نَكْباءَ
  4. 4
    وَطَمَت بِحارُ الحين من عَصَفاتِها◆فَسَرت وكان مَقَرُّها الأَحياءَ
  5. 5
    ثَغَرَت لها الأَحداثُ خُلجاناً وَقد◆ضَمَّ البَنونَ برَمسِها الآباءَ
  6. 6
    وغَدَت بها رُمَمُ الرُفاتِ كَأَنَّها◆سِلكٌ يُفَضُّ بقاعةٍ وَعساءَ
  7. 7
    فالعُمرُ مِضمارٌ وَأجسامُ الورى◆أَنضاؤُهُ هل تَعرِفُ الإِنضاءَ
  8. 8
    وتَردُّدُ الأَنفاس في لَهَواتنا◆يُغري المنازلَ بُكرَةً ومساءَ
  9. 9
    فالدهرُ ينثُرُنا فُرادى مثلما◆مرُّ الحواصِب يَنثُرُ الحَصباءَ
  10. 10
    دُنياكَ يا هذا تُريك عجائِباً◆إذ كان ظِئرُ جَنينها الأَسواءَ
  11. 11
    النفس قد علِقَت بجسمٍ مرَّةً◆فلذاك لم تَهجُر حِماهُ جَفاءَ
  12. 12
    فدنت وأَكسبها النِفارَ دُنُوُّها◆فاِعجَب لِعودٍ لا يريدُ لِحاءَ
  13. 13
    لمّا غوَت حَوّاءُ أَغوت آدماً◆فكسا بنيهِ الرُزءَ والبلواءَ
  14. 14
    وقضى مُناهُ الضِدُّ منهُ بمَكرهِ◆وَقَضى فأَودَعَ بينَنا الإِمضاءَ
  15. 15
    مُتَرَقِّبينَ وُرودَ كَأس حُتوفنا◆فنبيتُ عند مَطافهِ نُدماءَ
  16. 16
    وإذا تَساقينا بهِ عن إِمرَةٍ◆مَحتومةٍ نُسقى بِلىً وبلاءَ
  17. 17
    وخُروجُنا بالرَغمِ كَرهاً مُجبَرٌ◆وَدَواؤُنا يُلقي إلينا الداءَ
  18. 18
    وَشَقاؤُنا يُفضي إلى أَسقامِنا◆وَبقاؤُنا يُبدي لنا الإعفاءَ
  19. 19
    كم عَفَّتِ البَيداءُ قبلَكَ أُمَّةً◆كادت تَسُدُّ بجَمعها البطحاءَ
  20. 20
    أَينَ الأَكاسِرَةُ الَّذين تَوَطَّدَت◆بهمِ الصَياصي واقتنوا الأَرجاءَ
  21. 21
    أينَ القَياصِرَةُ الذين تجهَّموا◆خُطَطَ الخُطوب وأرجَفوا الغَبراءَ
  22. 22
    أَينَ ابن داوُدَ الذي فاقَ الورى◆عِلماً وَحَزماً سُؤدُداً وإِباءَ
  23. 23
    أَينَ الذي ساد المُلوكَ اسكَندَرُ ال◆نَدبُ الحُلاحِلُ وارتقى العَلياءَ
  24. 24
    أَينَ الذي شادَ الخَوَرنقَ ثُمَّ أَي◆نَ القَرْمُ تيمورُ الذي قد ساءَ
  25. 25
    أَينَ الذي حازَ النَباهَة والعُلا◆شَرَفاً وسارَ السيرَةَ الخُيَلاءَ
  26. 26
    أَينَ الذي وَطِئَ الرِقابَ تَكَبُّراً◆فَغَدَت أَعِنَّتُها لَهُ إيطاءَ
  27. 27
    أَينَ الذي كانت تَمورُ بجيشه ال◆أَرضونَ طُرّاً رَهبةً وَحَياءَ
  28. 28
    أَينَ الذي أَحى الزَمانُ رقيقَهُ◆قَسراً وكانَ الغُرَّةَ الغَرّاءَ
  29. 29
    أَينَ الملوك الصائنونَ ثُغورَهم◆أَينَ الجُيوشُ الرافِعونَ لِواءَ
  30. 30
    أَينَ اصطِكاكُ سُيوفِهِم وقسيِّهم◆من كُلِّ شاكٍ يَقهَرُ الأَعداءَ
  31. 31
    كالشوسِ في أَجَمِ الرماحِ رَوابضاً◆قَد قارَنَت أَبطالُها الجوزاءَ
  32. 32
    فَيَرَون صَهْواتِ الجِيادِ كأَنها◆فَلَكٌ يَدورُ بهم ضُحىً ومساءَ
  33. 33
    عَصَفَت بهم ريحُ المَنونِ فَأَصبَحوا◆جُثَثاً بلا أَرواحِها خَرساءَ
  34. 34
    طافَت بهم أَيدي الحِمامِ بأَكؤُسٍ◆من خَمرَةٍ جاءَتكَ عَن حَوّاءَ
  35. 35
    فَثوَوا على البَطحاءِ صَرعى سُدَّراً◆سَكِروا فكانوا بحَسوِها نُدَماءَ
  36. 36
    لَعِبَت بِهِم أَيدي سَبا فتَفرَّقوا◆فِرَقاً يَضُمُّ قريبُها البُعداءَ
  37. 37
    وجَرَت على آثارِهم أَجيالُهم◆يَتَداركونَ بَقِيَّةً شَنعاءَ
  38. 38
    يتَراكَضوانَ لغايةٍ حتى إِذا◆ما شارفوها أَردفوا الأحياءَ
  39. 39
    فكَبَت بهم خيلُ الحياةِ بشَوطها◆وَجَرَت بِهم نُجُبُ المماتِ سَواءَ
  40. 40
    قد كانَ بطنُ الأَرضِ يحسُدُ ظَهرَها◆بِهِمِ ويوسعُ فيهمِ الإِغراءَ
  41. 41
    فَثنى الزَمانُ حَسودَهم مَحسودَهم◆كَسَجَنجَلٍ إذ تَعكِسُ الأَشياءَ
  42. 42
    فتَرى بعينِكَ في مَواقع جِرمها◆شَخصاً وأَنتَ بِضِمنِها تَتَراأى
  43. 43
    كيف المزارُ وقد نأَوا عن ساحةٍ◆كانَت بهم تَزهو سَناً وَسناءَ
  44. 44
    أَضحَوا رهائنَ دهرِهم إِذ أَحرزوا◆منهُ السُرورَ وأَنجَزوا الإِمضاءَ
  45. 45
    شهِدَ الكتابُ عليهمِ وسِجِلُّهُ◆مَوتاً تذوقُ وتُسلَبُ الحوباءَ
  46. 46
    وَيحاً لِمن وافاهُ طالبُ دَينهِ◆ورآهُ في عِبءِ الخطا قد باءَ
  47. 47
    يَجزيهِ كالرَجلِ المُسيءِ بِفِعلِهِ◆ويُبيدُ منهُ الأَمنَ والإِرعاءَ
  48. 48
    حَتّامَ يا هذا تبيتُ مُعَسعِساً◆في مَهمَهٍ لا تَرتضيهِ فِناءَ
  49. 49
    فكأنك العشواءُ تخبطُ في الدجى◆مُتسكّعاً تتوقّعُ الإفضاءَ
  50. 50
    مُتَسَربِلاً بإِهابِ دَيجورِ الأَسى◆مُتَلفِّعاً بمَساءَةٍ دَكناءَ
  51. 51
    هذا وقد وَفَدَت عليكَ نجائِبُ ال◆آجالِ مُسرِعَةً وكُنَّ بِطاءَ
  52. 52
    وَبَدَت شُموسُكَ في مَغارِبِ أُفقها◆وَصَباحُك الوَضّاحُ عادَ مَساءَ
  53. 53
    وتَعاكَسَت فيكَ القضايا فاعتبر◆من صِدقِها الإيجابَ والإِغراءَ
  54. 54
    وَخِدِ المَسيرَ الجِدَّ في جَدَدِ التُقى◆بَمناسِمٍ تَذَرُ السَمومَ رُخاءَ
  55. 55
    لَهفي على زَمَنٍ كَسوتُ أَديمَهُ◆إِثماً يحيلُ الوَشيَ مِنهُ عَفاءَ
  56. 56
    كم بِتُّ أَنزِعُ فيهِ قَوسَ ضَلالَتي◆عن ساعدٍ أُصمي بهِ اللأواءَ
  57. 57
    وَنَصبتُ أَحشائي على بُعدِ المدى◆غَرَضاً فكُنتُ لِمَصرَعي إيماءَ
  58. 58
    حَتّى رَجَعتُ وفيَّ أَصرُ كِنانَتي◆نُثِلَت وَأَصمَى سَهمُها الأَحشاءَ
  59. 59
    وَتَمَزَّقَت من قبلِ تَمزيقِ الحَشى◆نَفسٌ رَأَت غُصَصَ المَنونِ ظِباءَ
  60. 60
    إِن كان شَخصي عن ذُنوبي سائِراً◆قدماً فَلي قَلبٌ يَحِنُّ وَراءَ
  61. 61
    فَلِذاكَ عُجتُ وفي فُؤادي صَبوةٌ◆تَلهو وشوقٌ لا يَمَلُّ شَقاءَ
  62. 62
    كم ليلةٍ قد بِتُّ أَفتُقُ رَتقَها◆بنَقائِصٍ لا تَألَفُ الرَفّاءَ
  63. 63
    وَأَحالَ صِبغَ الليلِ صِبغُ فَعائلي◆فظَلامُهُ من دَجنِها قد فاءَ
  64. 64
    وكرعتُ فيهِ ماءَ عيشٍ آجناً◆أَضحى الفُؤادُ بسُؤرهِ يتقاءى
  65. 65
    فغَدَوتُ أوسِعُهُ إِقامةَ تَوبَةٍ◆وَأَشارَ يوسِعُني أَسىً وبُكاءَ
  66. 66
    يا رَبِّ هَب لي تَوبَةً أَمحو بها◆نَصّاً غدا مَضمونُهُ الأَسواءَ
  67. 67
    يا ربِّ تَوبَةَ ناصِحٍ مُتَنَصِّلٍ◆يَذري الدُموعَ سَخينةً حَرّاءَ
  68. 68
    يا رَبِّ إِني في حِماكَ مُوَلَّهٌ◆وحِماكَ رَبّي يُنجدُ الضُعَفاءَ
  69. 69
    يا رَبِّ قد وَخدَت إِليكَ مَطيَّتي◆سَحَراً وزدتٌّ بحثِّها الإِغراءَ
  70. 70
    يا رَبِّ عُدني عِندَ مَوتي إنَّني◆سَوءٌ وعِدني بَعدَها العَلياءَ
  71. 71
    يا ربِّ أُشدُد فيكَ أَزري واكفِني◆ضُرّاً أَثارَ عَلى ضَنائي الداءَ
  72. 72
    سَقياً لداءٍ كُنتَ فيهِ دَواءَ◆يا رَبِّ قد قَرُبَ الرَحيلُ وهاجني
  73. 73
    برقٌ بأَكنافِ الحِمى يَتَراءى◆مُستَشفِعاً في زَلَّتي تِلكَ التي
  74. 74
    رأَتِ الأَنامَ بفَضلِها الإِرضاءَ◆تلكَ التي وَطِئَت بأَخمصِ رِجلِها
  75. 75
    فَلَكَ السُعودِ وآسَتِ الضَرّاءِ◆مَلَأَت بُطونَ الأَرض أَمناً وافِراً
  76. 76
    عندَ اِمتِلاءِ حَشائها نَعماءَ◆وتَوَسَّدَت شَرَفَ الأَرائِك ليلةً
  77. 77
    وَفَدَ المُبشِّرُ يَحمِلُ البُشراءَ◆هذا زَعيمُ الرُسلِ يَهتِفُ مُنذراً
  78. 78
    بأَلوكَةٍ تَذرُ الحضيضَ سماءَ◆أهدى السلامُ عليكِ يا فخرَ الورى
  79. 79
    إذ كُنتِ أَنتِ مريمَ العَذراءَ◆يا عَرشَ مجد اللَهِ يا شَمسَ الهُدى
  80. 80
    قد مزَّقت ببزوغِها الظَلماءَ◆وافيتُها والعَينُ شَكرى بالدِما
  81. 81
    أَسَفاً كأَنَّ بطَرفِها الأَقذاءَ◆إِن كانَ ذَنبي يَقتَضي لي شافعاً
  82. 82
    حَقّاً ففَضلُكِ يَجمَعُ الشُفَعاءَ◆هَب يا عَذولي أَنَّني لكَ سامعٌ
  83. 83
    ما عُذرُ شَيبٍ يَنسخُ الأَفياءَ◆فَنَأى الشَبابُ وعادني زَمنُ الضنى
  84. 84
    وكأَنَّني في طَيِّهِ أَتراءى◆وبدا لسانُ الشيب نَحوي مُنشِداً