من ليالي السهاد

بدر شاكر السياب

78 verses

Era:
العصر الحديث
  1. 1
    1- ليلة في لندن◆كما ينسل نور خائف من فرجة الباب
  2. 2
    إلى الظلماء في غرفة◆سمعت هتافه المجروح يعبر نحوي الشرفه
  3. 3
    ليرفع من سماوة لندن الليل المطل بلونه الكابي◆على الطرقات ترقد في دثار الثلج ملتفه
  4. 4
    و أمس سمعت في إيران صوت الديك في الفجر◆و من أفق المنائر في الكويت وزرقه البحر
  5. 5
    أهاب فرش جفني بالنعاس ( رنين أكواب◆بماء البصرة الرقراق تملأ ثم تسقيني )
  6. 6
    نداء راح ينثره المؤذن أطفيء الفانوس رف ضياؤه رفه◆وبعثره الظلام
  7. 7
    و ليلي الأواه في بيروت يحييني◆لأبصر فيه وجه الموت راح يذيبه نبع من اللهفه
  8. 8
    تدفق من فؤاد البلبل المسكوب بين غصون لبلاب◆ليال من عذاب من سنام لست أنساها
  9. 9
    غريبا كنت حتى حين أحلم لست في جيكور◆و لا بغداد أمشي في صحارى قلبي المسعور
  10. 10
    يريد الماء فيها ماء أين الماء و هي تريه أفواها◆على آفاقها الربداء ظمآى تشرب الديجور
  11. 11
    فلا تروى أأقصى العمر في صحراء في ليل من العطش◆أفتش عن عيون الماء عن إشراقه الغبش
  12. 12
    كأعمى نال منه السكر صاح ورفرفت كفاه بين مساند الماخور◆ليبحث عن رفيق أين جاري أين داري أين أواها
  13. 13
    أميرتي التي كانت تناولني كؤوس النور◆فيبصر قلبي الدنيا و يلقاها
  14. 14
    كأن الصبح أشرق في العراق و تعبر الرؤيا◆بحارا بي و تطوي ألف درب في الدجى تاها
  15. 15
    تراجع عالم و أطل ثان عالم يحيا◆على الأقمار تولد ثم تكمل ثم تندثر
  16. 16
    و ما لبس الجديد بغير يوم العيد يدخر◆ويجمع ثم ينفق ثم يضحك و هو يفتخر
  17. 17
    بأن الله يرزق حين يرزق هكذا الدنيا◆شتاء ثم صيف ليس في جيكور محتكر
  18. 18
    و لا فيها مصارف أو جرائد ليل كوريا◆يرى شفقا من النيرا
  19. 19
    فالنيران فيها حين تستعر◆تضيء لحى الشيوخ يحدثون و أعين النسوه
  20. 20
    تحدق في الطعام و ترقب الأطفال في نشوة◆أعدني يا إله الشرق و الصحراء و النخل
  21. 21
    إلى أيامي الحلوة◆إلى داري إلى غيلان ألثمه إلى أهلي
  22. 22
    2- ليلة في باريس◆و ذهبت فانسحب الضياء
  23. 23
    أحسست بالليل الشتائي الحزين و بالبكاء◆ينثال كالشلال من أفق تحطمه الغيوم
  24. 24
    أحسست وخز الليل في باريس و اختنق الهواء◆بالقهقهات من البغايا آه ترتعش النجوم
  25. 25
    منها طبلور الثريا الملطخ بالدماء◆في حانة لمدى السكارى في جوانبها انتضاء
  26. 26
    لم يبق منك سوى عبير◆يبكي و غير صدى الوداع إلى اللقاء
  27. 27
    و تركت لي شفقا من الزهرات جمعها إناء◆كالأنجم الزرقاء و الحمراء في أفق به حلم الصغير
  28. 28
    أرجعن لي عمر الطفوله يا محارا في غدير◆تتفارع الأقداح فيه ترن أجراس كثار
  29. 29
    خوخ و أعناب ورمان و تمتليء الجرار◆عند الغروب هو الخريف و نحن نسمر حول نار
  30. 30
    و كمستفيق في العراء◆من حلمه هو شهريار و تلمس الكف الخواء
  31. 31
    ذهب التراب ورن في الليل النباح أو العواء◆عانقت كفك باليدين إلى اللقاء
  32. 32
    و ذهبت فانحب الضياء◆لو صح وعدك يا صديقه
  33. 33
    لو صح و عدك آه لانبعثت وفيقه◆من قبرها و لعاد عمري في السنين إلى الوراء
  34. 34
    تأتين أنت إلى العراق◆أمد من قلبي طريقة
  35. 35
    فامشي عليه كأنما هبطت عليه من السماء◆عشتار فانفجر الربيع لها و برعمت الغصون
  36. 36
    توت و دفلى و النخيل بطلعه عبق الهواء◆و هو الأصيل و تلك دجلة
  37. 37
    و النواتي الخفاف يرددن◆يا ليتني نجم الصباح
  38. 38
    آه لأسقط يا حبيبي إذ تنام على الغطاء◆أعتل بالبرد ارتجفت فلفني برد الهواء
  39. 39
    و هو الأصيل و أنت في جيكور تجتذب الرياح◆منك العباءة فاخلعيها
  40. 40
    ليس يدثر الضياء◆يتماوج البلم النحيل بنا فتنتثر النجوم
  41. 41
    من رفة المجداف كالأسماك تغطس أو تعوم◆و يحار بين الضفتين بنا كأنا منه في أبد الزمان
  42. 42
    زمن و لا ماض يعود له و لا غد كي يسير◆إليه تنطفيء النجوم و نحن نحن العاشقان
  43. 43
    3- ليلة في العراق◆و ألهب كل ألواح الزجاج الزرق في الظلماء
  44. 44
    فنور غرفتي إيماض برق ثم رش مدراج الأفق◆نثار من حطام الرعد فارتعشت له الأصداء
  45. 45
    وحف على الدجى غاب من الأمطار و الأزهار و الورق◆و كنت أصيح من أرقي
  46. 46
    و من مرضي أإريد الماء◆و تخنق صوتي الظمآن وهوهة الدجى و الماء
  47. 47
    و يعول من بعيد بوق سياره◆يجيء إلي عبر الماء في الحاره
  48. 48
    يجيء إلي من أعماق بحر شمسه الخضراء◆تنث على شراع السندباد أزاهر الشفق
  49. 49
    ومن مرضي أريد الماء◆كأني هذا الكون حيث يسوطني العطش
  50. 50
    نواة حولها ارتجف العصير الحلوة في ثمره◆و يحرقها صداها
  51. 51
    و انتظرت سيغسل الغبشيلني شجرة◆تمص الماء يقرع في مداها النسغ
  52. 52
    و ألقى البرق أرقص ظل نافذتي على الغرفة◆فذكرني بماص من حياتي كله ألم
  53. 53
    طفولتي الشقيه و الصبي و شبابي المفجوع تضطرم◆مشاعري البريئة فيه كيف يجوع آلاف من الأطفال ملتفه
  54. 54
    بآلاف الخروق تعربد الريح الشتائية◆بها و أظل أحلم بالهوى و الشط و القمر
  55. 55
    و تزحم كل درب من دروبي هذه الخوذ الحديدية◆و تتبعني عيون الموت من زمر البنادق نز بالشرر
  56. 56
    كواها في دروب الجوع ألهث زائغ النظر◆و إذ يتمرد الإنسان في على العبودية
  57. 57
    أثور على الشيوعية◆و لكن البنادق ما تزال عيونها الغضبى
  58. 58
    تطاردني لأني غير ربي وحده لم أتخذ ربا◆و حين تنفست عند انحسار الليل عشتار
  59. 59
    تنفض جرح تموز المدمي تغسل التربا◆عن الجنبات منه و حين هد البغي ثوار
  60. 60
    أرحت جبيني المحموم◆على شباك داري أرقب الدربا
  61. 61
    تدفق بالجبال و بالعصي يشدها العار◆لتسحب أو تمزق جسم طفل ثغره المحروم
  62. 62
    من القبلات و الغنوات و الزاد◆ينادي دون صوت
  63. 63
    آه يا أمي عرفت الجوع و الآلام و الرعبا◆و لم أعرف من الدنيا سوى أيام أعياد
  64. 64
    فتحت العين فيها من رقادي لم أجد ثوبا◆جديدا أو نقودا لامعات تملأ الجيبا
  65. 65
    لأن أبي فقيرا كان◆يا لك ثورة تتأكل القلبا
  66. 66
    فأصرخ أيها الجبناء كفوا◆ثم تزحم دربي الخوذ الحديدية
  67. 67
    و تخنق من فم التنور في داري◆فألهث في دروب الجوع أطحن من حصاها ثم أعجنه
  68. 68
    و أقذفه إلى النار◆لأطعم منه زغبا يطلبون الزاد في قر العشيات الشتائية
  69. 69
    و يمضي بالأسى عامان ثم يهدني الداء◆تلاقفني الأسرة بين مستشفى و مستشفى
  70. 70
    و يعلكني الحديد◆و من دمي ملأ الأطباء
  71. 71
    قناني وزعوني في القناني تصبغ الصيفا◆دمائي و الشتاء
  72. 72
    و ذات صبح قيل إن الشر قد دحرا◆ودك معاقل الطاغوت في بغداد أبطال
  73. 73
    فقلت سأوقد القمرا◆سراجا عند بابي إنه ظفري أما قالوا
  74. 74
    بأن الشر قد دحرا◆و عدت إلى بلادي يا لنقلات إسعاف
  75. 75
    حمان جنازتي منمددا فيها أئن رأيت ( غيلانا )◆يحدق بانتظاري في السماء وغيمها السافي
  76. 76
    و ما هو غير أسبوعين ممتلئين أحزانا◆و يفجأني النذير بأن أعواما من الحرمان و إلفاقه
  77. 77
    ترصد بي هنا في غابة الخوذ الحديدية◆غريق في عباب الموج تنحب عنده الغاقة
  78. 78
    تئن الريح في سعف النخيل عليه ترثيه◆قصائده الحزينة بين أوراق من الدفلى أو الصفصاف تبكيه