المومس العمياء

بدر شاكر السياب

233 verses

Era:
العصر الحديث
  1. 1
    المومس العمياء .◆الليل يطبق مرة أخرى، فتشربه المدينه
  2. 2
    والعابرون، إلى القرارة... مثل أغنية حزينه.◆وتفتحت كأزاهر الدفلي، مصابيح الطريق،
  3. 3
    كعيون "ميدوزا"، تحجر كل قلب الضغينه،◆وكأنها نذر تبشر أهل "بابل" بالحريق
  4. 4
    من أي غاب جاء هذا الليل؟ من أي الكهوف◆من أي وجر للذئاب؟
  5. 5
    من أي عش في المقابر دف أسفع كالغراب؟◆"قابيل" أخف دم الجريمة بالأزاهر والشفوف
  6. 6
    وبما تشاء من العطور أو ابتسامات النساء◆ومن المتاجر والمقاهي وهي تنبض بالضياء
  7. 7
    عمياء كالخفاش في وضح النهار، هي المدينة،◆والليل زاد لها عماها.
  8. 8
    والعابرون:◆الأضلع المتقوسات على المخاوف والظنون،
  9. 9
    والأعين التعبى تفتش عن خيال في سواها◆وتعد آنية تلألأ في حوانيت الخمور:
  10. 10
    موتى تخاف من النشور◆قالوا سنهرب، ثم لاذوا بالقبور من القبور!
  11. 11
    أحفاد "أوديب" الضرير ووارثوه المبصورن.◆(جوكست) أرملة كأمس، وباب "طيبة" ما يزال
  12. 12
    يلقي "أبو الهول" الرهيب عليه، من رعب ظلال◆والموت يلهث في سؤال
  13. 13
    باق كما كان السؤال، ومات معناه القديم◆من طول ما اهترأ الجواب على الشفاه.
  14. 14
    وما الجواب؟◆"أنا" قال بعض العابرين...
  15. 15
    وانسلت الأضواء من باب تثاءب كالجحيم◆يبحثن في النيران عن قطرات ماء... عن رشاش.
  16. 16
    لا تنقلن خطاك فالمبغى "علائي" الأديم:◆أبناؤك الصرعى تراب تحت نعلك مستباح،
  17. 17
    يتضاحكون ويعولون.◆أو يهمسون بما جناه أب يبرؤه الصباح
  18. 18
    مما جناه، ويتبعون صدى خطاك إلى السكون◆الحارس المكدود يعبر متعبات،
  19. 19
    النون في أحداقهن يرف كالطير السجين،◆وعلى الشفاه أو الجبين
  20. 20
    تترنح البسمات والأصباغ ثكلى، باكيات،◆متعثرات بالعيون وبالخطى والقهقهات،
  21. 21
    أوصال جندي قتيل كللوها بالزهور،◆وكأنها درج إلى الشهوات، تزحمه الثغور
  22. 22
    حتى تهدم أو يكاد. سوى بقايا من صخور.◆جيف تستر بالطلاء، يكاد ينكر من رآها
  23. 23
    أن الطفولة فجرتها ذات يوم بالضياء◆كالجدول الثرثار - أو أن الصباح رأى خطاها
  24. 24
    في غير هذا الغار تضحك للنسائم والسماء،◆ويكاد ينكر أن شقا لاح من خلل الطلاء
  25. 25
    قد كان - حتى قبل أعوام من الدم والخطيئة -◆ثغرا يكركر، أو يثرثر بالأقاصيص البريئه
  26. 26
    لأب يعود بما استطاع من الهدايا في المساء:◆لأب يقبل وجه طفلته الندي أو الجبين
  27. 27
    أو ساعدين كفرختين من الحمائم في النقاء.◆ما كان يعلم أن ألف فم كبئر دون ماء
  28. 28
    ستمص من ذاك المحيا كل ماء للحياء◆حتى يجف على العظام - وأن عارا كالوباء
  29. 29
    يصم الجباه فليس تغسل منه إلا بالدماء◆سيحل من ذاك الجبين به ويلحق بالبنين -
  30. 30
    والساعدين الأبيضين، كما تنور في السهول◆تفاحة عذراء، سوف يطوقان مع السنين
  31. 31
    كالحيتين، خصور آلاف الرجال المتعبين◆الخارجين خروج آدم، من نعيم في الحقول
  32. 32
    تفاحة الدم والرغيف وجرعتان من الكحول◆والحية الرقطاء ظل من سياط الظالمين
  33. 33
    أتريد من هذا الحطام الآدمي المستباح◆دفء الربيع وفرحة الحمل الغرير مع الصباح
  34. 34
    ودواء ما تلقاه من سأم وذل واكتداح◆المال، شيطان المدينه
  35. 35
    إبر تسل بها خيوط من وشائع في الحنايا◆وتظل تنسج، بينهن وبين حشد العابرين،
  36. 36
    شيئا كبيت العنكبوت يخضه الحقد الدفين:◆حقد سيعصف بالرجال
  37. 37
    والأخرىات، النائمات هناك في كنف الرجال◆والساهرات على المهود وفي بيوت الأقربين
  38. 38
    حول الصلاء بلا اطراح للثياب ولا اغتسال◆في الزمهرير، ودون عد لليالى والسنين!
  39. 39
    ويمر عملاق يبيع الطير، معطفه الطويل◆حيران تصطفق الرياح بجانبيه، وقبضتاه
  40. 40
    تتراوحان: فللرداء يد وللعبء الثقيل◆يد، وأعناق الطيور مرنحات من خطاه
  41. 41
    تدمي كأثداء العجائز يوم قطعها الغزاه◆خطواته العجلي، وصرخته الطويلة "يا طيور
  42. 42
    هذي الطيور، فمن يقول تعال..."◆أفزعها صداه
  43. 43
    عمياء تطفئ مقلتاها شهوة الدم في الرجال.◆وتحسسته كأن باصرة تهم ولا تدور
  44. 44
    في الراحتين وفي الأنامل وهي تعثر بالطيور،◆وتوسلته: "فدى لعينك - خلني. بيدي أراها".
  45. 45
    ويكاد يهتك ما يغلف ناظريها من عماها◆قلب تحرق في المحاجر واشرأب يريد نور!
  46. 46
    وتمس أجنحة مرقطة فتنشرها يداها،◆وتظل تذكر - وهي تمسحهن - أجنحة سواها
  47. 47
    كانت تراها وهي تخفق... ملء عينيها تراها:◆سرب من البط المهاجر، يستحث إلى الجنوب
  48. 48
    أعناقه الجذلى... تكاد تزيد من صمت الغروب◆صيحاته المتقطعات، وتضمحل على السهوب
  49. 49
    بين الضباب، ويهمس البريد بالرجع الكئيب◆ويرج وشوشة السكون
  50. 50
    طلق... فيصمت كل شيء... ثم يلغط في جنون.◆هي بطة فلم انتفضت؟ وما عساها أن تكون؟
  51. 51
    ولعل صائدها أبوك، فإن يكن فستشبعون.◆وتخف راكضة حيال النهر كي تلقى أباها:
  52. 52
    هو خلف ذاك التل يحصد. سوف يغضب إن رآها.◆مر النهار ولم تعنه... وليس من عون سواها
  53. 53
    وتظل ترقى التل وهي تكاد تكفر من أساها.◆يا ذكريات علام جئت على العمى وعلى السهاد؟
  54. 54
    لا تمهليها فالعذاب بأن تمري في اتئاد.◆قصي عليها كيف مات وقد تضرج بالدماء
  55. 55
    هو والسنابل والمساء -◆وعيون فلاحين ترتجف المذلة في كواها
  56. 56
    والغمغمات: "رآه يسرق"... "واختلاجات الشفاه◆يخزين ميتها، فتصرخ يا إلهي، يا إلهي
  57. 57
    لو أن غير "الشيخ"، وانكفأت تشد على القتيل◆شفتين تنتقمان منه أسى وحبا والتياعا
  58. 58
    وكأن وسوسة السنابل والجداول والنخيل◆أصداء موتى يهمسون رآه يسرق في الحقول
  59. 59
    حيث البيادر تفصد الموتى فتزداد اتساعا◆وتحس بالدم وهو ينزف من مكان في عماها
  60. 60
    كالماء من خشب السفينة، والصديد من القبور،◆وبأدمع من مقلتيها كالنمال على الصخور
  61. 61
    أو مثل حبات الرمال مبعثرات في عماها◆يهوين منه إلى قرارة قلبها آها فآها.
  62. 62
    ومن الملوم وتلك أقدار كتبن على الجبين؟◆حتم عليها أن تعيش بعرضها، وعلى سواها
  63. 63
    من هؤلاء البائسات وشاء رب العالمين◆ألا يكون سوى أبيها - بين آلاف - أباها
  64. 64
    وقضى عليه بأن يجوع◆والقمح ينضج في الحقول من الصباح إلى المساء
  65. 65
    وبأن يلص فيقتلوه... (وتشرأب إلى السماء◆كالمستغيثة وهي تبكي في الظلام بلا دموع)
  66. 66
    والله - عز الله - شاء◆أن تقذف المدن البعيدة والبحار إلى العراق
  67. 67
    آلاف آلاف الجنود ليستبيحوا، في زقاق◆دون الأزقة أجمعين
  68. 68
    (ذاك اسم جارتها الجديد، فليتها كانت تراها◆هل تستحق اسما كهذا: ياسمين وياسمين؟)
  69. 69
    يا ليت حمالا تزوجها يعود مع المساء◆بالخبز في يده اليسار وبالمحبة في اليمين.
  70. 70
    لكن بائسة سواها حدثتها منذ حين◆عن بيتها وعن ابنتيها، وهي تشهق بالبكاء
  71. 71
    كالغيمة السوداء تنذر بالمجاعة والرزايا،◆أزراره المتألقات على مغالق كل باب
  72. 72
    مقل الذئاب الجائعات ترود غابا بعد غاب◆وخطاه مطرقة تسمر، في الظلام، على البغايا
  73. 73
    أبوابهن، إلى الصباح - فلا تجاهر بالخطايا◆ويظل يخفرهن من شبع وينثر في الرياح
  74. 74
    أغنية تصف السنابل والأزاهر والصبايا،◆وتظل تنتظر الصباح وساعديه مع الصباح
  75. 75
    تصغى - وتحتضن ابنتيها في الظلام - إلى النباح◆وإلى الريح تئن كالموتى وتعول كالسبايا
  76. 76
    وتجمع الأشباح من حفر الخرائب والكهوف◆ومن المقابر والصحاري بالمئات وبالألوف..
  77. 77
    فتقف من فزع وتحجب مقلتيها بالغطاء،◆ويعود والغبش الحزين يرش بالطل المضاء
  78. 78
    سعف النخيل... يعود من سهر يئن ومن عياء◆- كالغيمة اعتصرت قواها في القفار، وترتجيها
  79. 79
    عبر التلال قوي تجوع - لكي ينام إلى المساء:◆عيش أشق من المنية، وانتصار كالفناء
  80. 80
    وطوى يعب من الدماء وسم أفعى في الدماء◆وعيون زان يشتهيها، كالجحيم يشع فيها
  81. 81
    سخر وشوق واحتقار، لاحقتها كالوباء◆والمال يهمس أشتريك وأشتريك فيشتريها
  82. 82
    يا ليتها إذن انتهى أجل بها فطوى أساها!◆لو أستطيع قتلت نفسي.. همسة خنقت صداها
  83. 83
    أخرى توسوس: والجحيم؟ أتبصرين على لظاها؟◆وإذا اكفهر وضاق لحدك، ثم ضاق، إلى القرار
  84. 84
    حتى تفجر من أصابعك الحليب رشاش نار◆وتساءل المكان فيم قتلت نفسك يا أثيمه؟
  85. 85
    وتخطفاك إلى السعير تكفرين عن الجريمه.◆أفتصرخين أبي فينفض راحتيه من الغبار
  86. 86
    ويخف نحوك وهو يهتف قد أتيتك يا سليمه؟◆حتى اسمها فقدته واستترت بآخر مستعار
  87. 87
    هي - منذ أن عميت - "صباح"...◆فأي سخرية مريره!
  88. 88
    أين الصباح من الظلام تعيش فيه بلا نهار◆وبلا كواكب أو شموع أو كوى وبدون نار؟
  89. 89
    أو بعد ذلك ترهبين لقاء ربك أو سعيره؟◆القبر أهون من دجاك دجى وأرفق، يا ضريره
  90. 90
    يا مستباحة كالفريسة في عراء يا أسيره◆تتلفتين إلى الدروب ولا سبيل إلى الفرار؟
  91. 91
    وتحس بالأسف الكظيم لنفسها: لم تستباح؟◆ألهر نام على الأريكة قربها... لم تستباح؟
  92. 92
    شبعان أغفى، وهي جائعة تلم من الرياح◆أصداء قهقهة السكارى في الأزقة، والنباح
  93. 93
    وتعد وقع خطى هنا وهناك: ها هو◆هو ذا يجيء - وتشرأب، وكاد يلمس ... ثم راح
  94. 94
    وتدق في أحد المنازل ساعة... لم تستباح؟◆الوقت آذن بانتهاء والزبائن يرحلون.
  95. 95
    كالدرب تذرعه القوافل والكلاب إلى الصباح؟◆الجوع ينخر في حشاها، والسكارى يرحلون،
  96. 96
    مروا عليها في المساء وفي العشية ينسجون◆حلما لها هي والمنون:
  97. 97
    عصبات مهجتها سداه وكل عوق في العيون،◆والآن عادوا ينقضون -
  98. 98
    خيطا فخيطا من قرارة قلبها ومن الجراح -◆ما ليس بالحلم الذي نسجوا ما لا يدركون ...
  99. 99
    شيئا هو الحلم الذي نسجوا وما لا يعرفون،◆هو منه أكثر: كالحفيف من الخمائل والرياح،
  100. 100
    والشعر من وزن وقافية ومعنى، والصباح -◆من شمسه الوضاء... وانصرفوا يضحكون!
  101. 101
    ستعيش للثأر الرهيب◆والداء في دمها وفي فمها. ستنفث من رداها
  102. 102
    في كل عرق من عروق رجالها شبحا من الدم واللــ◆شبحا تخطف مقلتيها أمس، من رجل أتاها
  103. 103
    سترده هي للرجال، بأنهم قتلوا أباها◆وتلقفوها يعبثون بها وما رحموا صباها،
  104. 104
    لم يبتغوها للزواج لأنها امرأة فقيره،◆واستدرجوها بالوعود لأنها كانت غريره،
  105. 105
    وتهامس المتقولون فثار أبناء العشيره◆متعطشين - على المفارق والدروب - إلى دماها.
  106. 106
    وكأن موجة حقدها ورؤى أساها.◆كانت تقرب من بصيرة لبها صورا علاها
  107. 107
    صدأ المدينة وهي ترقد في القرارة من عماها:◆كل الرجال؟ وأهل قريتها؟ أليسوا طيبين؟
  108. 108
    كانوا جياعا - مثلها هي أو أبيها - بائسين،◆هم مثلها - وهم الرجال - ومثل آلاف البغايا
  109. 109
    بالخبز والأطمار يؤتجرون، والجسد المهين◆هو كل ما يتملكون، هم الخطاة بلا خطايا
  110. 110
    ليس الذين تغصبوها من سلالة هؤلاء:◆كانوا مقطبة الجباه من الصخور
  111. 111
    ثمتص من فزع الضحايا زهوها ومن الدماء◆متطلعين إلى البرايا كالصواعق من علاء!
  112. 112
    وتحس، في دمها، كآبة كل أمطار الشتاء◆من خفق أقدام السكارى، كالأسير وراء سور
  113. 113
    يصغي إلى قرع الطبول يموت في الشفق المضاء.◆هي والبغايا خلف سور، والسكارى خلف سور،
  114. 114
    دميت أصابعهن: تحفر والحجارة لا تلين،◆والسور يمضغهن ثم يقيئهن ركام طين:
  115. 115
    وطلول مقبرة تضم رفات "هابيل" الجنين!◆سور كهذان حدثوها عنه في قصص الطفوله:
  116. 116
    "يأجوج" يغرز فيه، من حنق أظافره الطويله◆ويعض جندله الأصم، وكف "مأجوج" الثقيله
  117. 117
    تهوي، كأعنف ما تكون على جلامده الضخام.◆والسور باق لا يثل... وسوف يبقي ألف عام،
  118. 118
    ... الطفل شاب وسورها هي ما يزال كما رآه◆من قبل يأجوج البرايا توأم هو للسعير!
  119. 119
    لص الحجارة من منازل في السهول وفي الجبال◆يتواثب الأطفال في غرفاتها ويكركرون...
  120. 120
    والأمهات يلدن والآباء للغد يبسمون،◆لم يبق من حجر عليها فهي ريح أو خيال.
  121. 121
    وأدار من خطم البلاد رحى، وساط من البطون◆ما ترتعيه رحاه من لحم الأجنة والعظام،
  122. 122
    وكشاطئين من النجوم على خليج من ظلام◆يتحرقان ولا لقاء ويخمدان سوى ركام -
  123. 123
    شق الرجال عن النساء سلالتين من الأنام◆تتلاقيان مع الظلام وتفصلان مع الشروق:
  124. 124
    لو يقطعون الليل بحثا والنهار - على سواها◆في حسنها هي؟ في غضارة ناهديها أو صباها
  125. 125
    وبسعرها هي ؟ أي شيء غير هذا يبتغون؟◆عمياء أنت وحظك المنكود أعمى يا سليمه.
  126. 126
    .... وتلوب أغنية قديمه◆في نفسها وصدى يوشوش: يا سليمه، سليمه
  127. 127
    نامت عيون الناس. آه... فمن لقلبي كي ينيمه؟◆ويل الرجال الأغبياء، وويلها هي، من عماها!
  128. 128
    لم أصبحوا يتجنبون لقاءها؟◆عيونها، فيخلفوها وحدها إذ يعلمون
  129. 129
    بأنها عمياء؟ فيم يكابرون ومقلتاها◆أدري وتعرف أي شيء في البغايا يشتهون
  130. 130
    بنظرة قمراء تغصبها من الروح الكسيره◆لترش أفئدة الرجال بها، وكانوا يلهثون
  131. 131
    في وجهها المأجور، أبخرة الخمور، ويصرخون◆كالرعد في ليل الشتاء
  132. 132
    ولعل غيره "ياسمين" وحقدها سبب البلاء◆فهي التي تضع الطلاء لها وتمسح بالذرور
  133. 133
    وجها تطفأت النواظر فيه....◆كيف هو الطلاء؟
  134. 134
    وكيف أبدو؟◆- وردة ... قمر... ضياء!
  135. 135
    زور.. وكل الخلق زور،◆والكون مين وافتراء
  136. 136
    لو تبصر المرآة - لمحة مقلتيها - لو تراها◆- لمح النيازك - ثم تغرق من جديد في عماها!
  137. 137
    برق ويطفأ... ثم تحكم فرقها بيد، وفاها◆بيد، وترسم بالطلاء على الشفاه لها شفاها
  138. 138
    شفتاك عارية وخدك ليس خدك يا سليمه،◆ماذا تخلف منك فيك سوى الجراحات القديمه؟
  139. 139
    وتضم زهرة قلبها العطشى على ذكرى أليمه:◆تلك المعابثة اللعوب... كأنها امرأة سواها!
  140. 140
    كالجدولين تخوض ماءهما الكواكب - مقلتاها،◆والشعر يلهث بالرغائب والطراوة والعبير
  141. 141
    وبمثل أضواء الطريق نعسن في ليل مطير،◆تقتات بالعسل النقي وترتدي كسل الحرير.
  142. 142
    ليت النجوم تخر كالفحم المطفأ والسماء◆ركام قار أو رماد، والعواصف والسيول
  143. 143
    تدك راسية الجبال ولا تخلف في المدينة من بناء!◆أن يعجز الإنسان عن أن يستجير من الشقاء
  144. 144
    حتى بوهم أو برؤيا، أن عيش بلا رجاء...◆أو ليس ذاك هو الجحيم؟ أليس عدلا أن يزول؟
  145. 145
    شبع الذباب من القمامة في المدينة، والخيول◆سرحن من عرباتهن إلى الحظائر والحقول،
  146. 146
    والناس ناموا -◆هذا الذي عرضته كالسلع القديمة: كالحذاء،
  147. 147
    أو كالجرار الباليات، كأسطوانات الغناء...◆هذا الذي يأبي عليها مشتر أن يشتريه
  148. 148
    قد كان عرضا - يوم كان - ككل أعراض النساء!◆كان الفضاء يضيق عن سعة، وترتخص الدماء
  149. 149
    إن رنق النظر الأثيم عليه. كان هو الإباء◆والعزة القعساء والشرف الرفيع. فشاهديه
  150. 150
    يا أعين الظلماء، وامتلئي بغيظك وارجميه◆بشواظ عارك واحتقارك يا عيون الأغبياء!
  151. 151
    للموت جوعا، بعد موتي - ميتة الأحياء - عارا.◆لا تقلقوا.. فعماي ليس مهابة لي أو وقارا.
  152. 152
    مازلت أعرف كيف أرعش ضحكتي خلل الرداء◆كالقمح لونك يا ابنة العرب،
  153. 153
    كالفجر بين عرائش العنب◆أو كالفرات، على ملامحه
  154. 154
    دعة الثرى وضراوة الذهب.◆عربية أنا: أمتى دمها
  155. 155
    خير الدماء... كما يقول أبي.◆تجري دماء الفاتحين. فلوثوها، يا رجال
  156. 156
    أواه من جنس الرجال... فأمس عاث بها الجنود◆الزاحفون من البحار كما يفور قطيع دود
  157. 157
    يا ليت للموتى عيونا من هباء في الهواء◆إلا العفاة المفلسين.
  158. 158
    أنا زهرة المستنقعات، أعب من وحل وطين◆وأشع لون ضحى...
  159. 159
    وذكرا بجعجعة السنين◆سعالها. ذهب الشباب!!
  160. 160
    ذهب الشباب!! فشيعيه مع السنين الأربعين◆ومع الرجال العابرين حيال بابك هازئين.
  161. 161
    وأتي المشيب يلف روحك بالكآبة والضباب،◆فاستقبليه على الرصيف بلا طعام أو ثياب،
  162. 162
    يا ليتك المصباح يخفق ضوءه القلق الحزين◆في ليل مخدعك الطويل، وليت أنك تحرقين
  163. 163
    دما يجف فتشترين◆سواه: كالمصباح والزيت الذي تستأجرين.
  164. 164
    عشرون عاما قد مضين، وشبت أنت، وما يزال◆يذرذر الأضواء في مقل الرجال.
  165. 165
    لو كنت تدخرين أجر سناه ذاك على السنين◆ها هو ذا يضيء فأي شيء تملكين؟
  166. 166
    ويح العراق! أكان عدلا فيه أنك تدفعين◆سهاد مقتلك الضريره
  167. 167
    ثمنا لملء يديك زيتا من منابعه الغزيره؟◆كي يثمر المصباح بالنور الذي لا تبصرين؟
  168. 168
    عشرون عاما قد مضين، وأنت غرثى تأكلين◆بنيك من سغب، وظمأى تشربين
  169. 169
    حليب ثديك وهو ينزف من خياشيم الجنين!◆وكزارع له البذور
  170. 170
    وراح يقتلع الجذور◆من جوعه، وأتى الربيع فما تفتحت الزهور
  171. 171
    ولا تنفست السنابل فيه...◆ليس سوى الصخور
  172. 172
    سوى الرمال، سوى الفلاه -◆خنت الحياة بغير علمك، في اكتداحك للحياه!
  173. 173
    كم رد موتك عنك موت بنيك. إنك تقطعين◆حبل الحياة لتنقضيه وتضفري حبلا سواه،
  174. 174
    حبلا به تتعلقين على الحياة: تضاجعين◆ولا ثمار سوى الدموع، وتأكلين،
  175. 175
    وتسهرين ولا عيون، وتصرخين ولا شفاه،◆وغدا. وأمس ... وألف أمس - كأنما مسح الزمان
  176. 176
    حدود ما لك فيه من ماض وآت◆ثم دار، فلا حدود
  177. 177
    ما بين ليلك والنهار، وليس، ثم، سوى الوجود....◆سوى الظلام، ووطء أجساد الزبائن، والنقود،
  178. 178
    ولا زمان، سوى الأريكة والسرير، ولا مكان!◆لم تسحبين ليالى السأم المسهدة الرتيبه؟
  179. 179
    ما العمر؟ ما الأيام؟ عندك، ما الشهور؟ وما◆ماتت "رجاء" فلا رجاء ثكلت زهرتك الحبيبه!
  180. 180
    بالأمس كنت إذا حسبت فعمرها هي تحسبين.◆كانت عزاءك في المصيبه،
  181. 181
    وربيع قفرتك الجديبه.◆كانت نقاءك في الفجور، ونسمة لك في الهجير،
  182. 182
    وخلاصك الموعود، والغبش الكبير!◆ما كان حكمه أن تجيء إلى الوجود وأن تموت؟
  183. 183
    ألتشرب اللبن المرنق بالخطيئة واللعاب:◆أو شال ما تركته في ثدييك أشداق الذئاب؟
  184. 184
    مات الضجيج وأنت، بعد، على انتظارك◆تتنصتين، فتسمعين
  185. 185
    رنين أقفال الحديد يموت، في سأم، صداه:◆الباب أوصد
  186. 186
    ذاك ليل مر...◆فانتظري سواه.
  187. 187
    كعيون ""ميدوزا""، تحجِّر كلّ قلب بالضغينهْ،◆وكأنّها نذرٌ تبشر أهل ""بابل"" بالحريق
  188. 188
    من أي عش في المقابر دفّ أسفع كالغراب؟◆""قابيل"" أخف دم الجريمة بالأزاهر والشفوف
  189. 189
    الأضلع المتقوّسات على المخاوف والظنون،◆والأعين التعبى تفتِّش عن خيالٍ في سواها
  190. 190
    أحفاد ""أوديب"" الضرير ووارثوه المبصورن.◆"جوكست" أرملة كأمس، وباب ""طيبة"" ما يزال
  191. 191
    يلقي ""أبو الهول"" الرهيب عليه، من رعب ظلال◆""أنا"" قال بعض العابرين...
  192. 192
    وانسلّت الأضواء من باب تثاءب كالجحيم◆تطفو عليهنّ البغايا كالفراشات العِطَاش
  193. 193
    لا تثقلنَّ خطاك فالمبغى ""علائي"" الأديم:◆أو يهمسون بما جناه أبٌّ يُبَرِّئُه الصباح
  194. 194
    الحارس المكدود يعبر والبغايا متعبات،◆النون في أحداقهن يرفُّ كالطير السجين،
  195. 195
    وكأن عاريات الصدور◆أوصال جندي قتيل كلِّلُوها بالزهور،
  196. 196
    حتى تَهَدّمَ أو يكاد. سوى بقايا من صخور.◆جِيَفٌ تستّر بالطلاء، يكاد ينكر من رآها
  197. 197
    أن الطفولة فجّرَتْها ذات يومٍ بالضياء◆ويكاد ينكر أن شقًّا لاح من خلل الطلاء
  198. 198
    لأبٍ يعود بما استطاع من الهدايا في المساء◆لأبٍ يقبِّل وجه طفلته النَّدِيِّ أو الجبينْ
  199. 199
    والساعدين الأبيضين، كما تنوَّرُ في السهول◆تفاحة عذراء، سوف يطوِّقان مع السنين
  200. 200
    تفاحُةُ الدَّمُ والرغيف وجرعتان من الكحول◆والحية الرقطاء ظِلٌّ من سياط الظالمين
  201. 201
    يا أنت، يا أحد السكارى◆يا من يريد من البغايا ما يريد من العذارى:
  202. 202
    "ما ظلَّ يحلم، منذ كان به ويزرع في الصحارى◆زبد الشواطئ والمحارا
  203. 203
    مترقبًا ميلاد " أفروديت" ليلا أو نهارا "◆ودواء ما تلقاه من سأم ٍوذلٍ واكتداحْ ؟
  204. 204
    لم يحظَ، من هذا الرهان، بغير أجسادٍ مهينهْ◆« فاوست » في أعماقهن يعيد أغنيَةً حزينهْ
  205. 205
    المال، شيطان المدينة، ربُّ « فاوست » الجديد◆جارت على الأثمان وفرة ما لديه من العبيد
  206. 206
    الخبز والأسمال حظُّ عبيده المتذللين◆مما يوزع من عطايا، لا اللآلئ والشبابْ
  207. 207
    والمومس العجفاء لا « هيلين » والظمأ اللعين◆لا حكمة الفرح المجنح والخطيئة والعذاب
  208. 208
    الخيل من سأمٍ تحمحم وهي تضرب بالحوافر◆حجر الطريق
  209. 209
    هلمَّ فالحوذي يبحث عن مسافر◆والريح صرٌّ، والبغي بلا زبائن منذ حين
  210. 210
    إن لم تضاجعها وصدَّ سواك عنها معرضين◆فكيف تحيا؟ وهي، مثلك لا تعيش بلا طعام؟
  211. 211
    لا تخشَ منها أن تراع بما تَأَكَّلَهُ الجذام◆من صدرك النخر العريض، وأنت ويحك يا أخاها
  212. 212
    ماذا تريد، وعمَّ تبحث في الوجوه؟ ويا أباها◆اطعنْ بخنجرك الهواء فأنتما لن تقتلاها
  213. 213
    هي لن تموتْ◆سيظل غاصبها يطاردها وتلفظها البيوت
  214. 214
    ستظل ما دامت سهام التبر تصفر في الهواء◆تعدو، ويتبعها « أبولو » من جديد كالقضاء
  215. 215
    وتظل تهمس، إذ تكاد يداه أن تتلقَّفاها:◆بيد أنك لا تصيخ إلى النداء «! أبتي أغثني »
  216. 216
    لو كنت من عرق الجبين ترشُّها ومن الدماء◆وتحيلها امرأة بحقٍ، لا متاعًا للشراء
  217. 217
    كللتَ منها، بالفخار وبالبطولات، الجباها!◆وكأنّ الحاظ البغايا
  218. 218
    والأخريات، النائمات هناك في كنف الرجال◆خطواته العجلي، وصرخته الطويلة ""يا طيور
  219. 219
    هذي الطيور، فمن يقول تعال...""◆وتوسلته: ""فدى لعينك - خلني. بيدي أراها"".
  220. 220
    قصي عليها كيف مات وقد تضرّج بالدماء◆وعيون فلاحين ترتجف المذلّة في كواها
  221. 221
    والغمغمات: ""رآه يسرق""... ""واختلاجات الشفاه◆لو أن غير ""الشيخ""، وانكفأت تشد على القتيل
  222. 222
    ذاك اسم جارتها الجديد، فليتها كانت تراها◆هل تستحق اسما كهذا: ياسمين وياسمين؟
  223. 223
    عيش أشقّ من المنيّة، وانتصار كالفناء◆وطوى يعب من الدماء وسمّ أفعى في الدماء
  224. 224
    وعيون زان يشتهيها، كالجحيم يشعّ فيها◆أخرى توسوس: والجحيم؟ أتصبرين على لظاها؟
  225. 225
    وتساءل المَلَكان فيم قتلت نفسك يا أثيمه؟◆وتخطفاك إلى السعير تكفّرين عن الجريمه.
  226. 226
    هي - منذ أن عميت - ""صباح""...◆هو ذا يجيء - وتشرئبّ، وكاد يلمس ... ثم راح
  227. 227
    وتدقّ في أحد المنازل ساعة... لم تستباح؟◆من شمسه الوضاء... وانصرفواسكارى يضحكون!
  228. 228
    في كل عرق من عروق رجالها شبحا من الدم واللــهيب◆وطلول مقبرة تضم رفات ""هابيل"" الجنين!
  229. 229
    ""يأجوج"" يغرز فيه، من حنق أظافره الطويله◆ويعض جندله الأصم، وكف ""مأجوج"" الثقيله
  230. 230
    الطفل شاب وسورها هي ما يزال كما رآه◆وتلوب أغنية قديمه
  231. 231
    ولعل غيره ""ياسمين"" وحقدها سبب البلاء◆سهاد مقلتك الضريره
  232. 232
    ما بين ليلك والنهار، وليس، ثم، سوى الوجود◆ماتت ""رجاء"" فلا رجاء ثكلت زهرتك الحبيبه!
  233. 233

    وخلاصك الموعود، والغبش الالهي الكبير!