أمر السلطان بالشاعر يوما فأتاه

إيليا ابو ماضي

72 verses

Era:
العصر الحديث
Meter:
عموديه
  1. 1
    أَمَرَ السُلطانُ بِالشاعِرِ يَوماً فَأَتاهُ◆في كِساءٍ حائِلِ الصُبغَةِ واهٍ جنِباهُ
  2. 2
    وَحِذاءٍ أَوشَكَت تَفلَتُ مِنهُ قَدَماهُ◆قالَ صِف جاهي فَفي وَصفِكَ لي لِلشِعرِ جاهُ
  3. 3
    إِنَّ لِيَ القَصرُ الَّذي لا تَبلُغُ الطَيرُ ذُراهُ◆وَلِيَ الرَوضُ الَّذي يَعبَقُ بِالمِسكِ ثَراهُ
  4. 4
    وَلِيَ الجَيشُ الَّذي تَرشُحُ بِالمَوتِ ظِباهُ◆وَلِيَ الغاباتُ وَالشُمُّ الرَواسي وَالمِياهُ
  5. 5
    وَلِيَ النسُ وَبُؤسُ الناسِ مِنّي وَالرَفاهُ◆إِنَّ هَذا الكَونَ مُلكي أَنا في الكَونِ إِلَهُ
  6. 6
    ضَحِكَ الشعِرُ مِمّا سَمِعَتهُ أُذُناهُ◆وَتَمَنّى أَن يُداجي فَعَصَتهُ شَفَتاهُ
  7. 7
    قالَ إِنّي لا أَرى الأَمرَ كَما أَنتَ تَراهُ◆إِنَّ مُلكِيَ قَد طَوى مُلكَكَ عَنِّيَ وَمَحاهُ
  8. 8
    القَصرُ يُنبِئُ عَن مَهارَةِ شاعِرٍ◆لَبِقٍ وَيُخبِرُ بَعدَهُ عَنكا
  9. 9
    هُوَ لِلأُلى يَدورونَ كُنهَ جَمالِهِ◆فَإِذا مَضَوا فَكَأَنَهُ دُكّا
  10. 10
    سَتَزولُ أَنتَ وَلا يَزولُ جَلالُهُ◆كَالفُلكِ إِن خَلَت فُلكا
  11. 11
    وَالرَوضُ إِنَّ الرَوضَ شاعِرٍ◆سَمحٍ طَروبٍ رائِقٍ جَزلِ
  12. 12
    وَشى حَواشِيَهُ وَزَيَّنَ أَرضَهُ◆بِرَوائِعِ الأَلوانِ وَالظِلِّ
  13. 13
    لِفراشَةٍ تَحي لَهُ وَلِنَحلَةٍ◆تَحيا بِهِ وَلِشاعِرٍ مِثلي
  14. 14
    وَلِديمَةٍ تَذري عَلَيهِ دُموعَها◆كَما تَقيهِ غَوائِلَ المَحلِ
  15. 15
    وَلِبُلبُلٍ غَرِدٍ يُساجِلُ بُلبُلاً◆غَرداً وَلِلنَسَماتِ
  16. 16
    فَإِذا مَضى زَمَنُ الرَبيعِ أَضَعتَهُ◆وَأَقامَ في قَلبي وَفي عَقلي
  17. 17
    وَالجَيشُ مَعقودٌ لِواأُكَ فَوقَهُ◆ما دُمتَ تَكسوهُ وَتُطعِمُهُ
  18. 18
    لِلخُبزِ طاعَتُهُ وَحُسنُ وَلائِهِ◆هُوَ لاتُهُ الكُبرى وَبَرهَمُهُ
  19. 19
    فَإِذا يَجوعُ بِظِلِّ عَرشِكَ لَيلَةً◆فَهُوَ الَّذي بِيَدَيهِ يُحَطِّمُهُ
  20. 20
    لَكَ مِنهُ أَسيُفُهُ وَلَكِن في غَدٍ◆لِسِواكَ أَسيُفُهُ وَأَسهُمُهُ
  21. 21
    أَتُراهُ سارَ إِلى الوَغى مُتَهَلِّلاً◆لَولا الَّذي الشُعَراءُ تَنظِمُهُ
  22. 22
    وَإِذا تَرَنَّمَ هَل بِغَيرِ قَصيدَةٍ◆مِن شاعِرٍ مِثلي تَرَنُّمُهُ
  23. 23
    وَالبَحرُ قَد ظَفِرَت يَداكَ بِدُرِّهِ◆وَحَصاهُ لَكِن هَل مَلَكتَ هَديرُهُ
  24. 24
    هُوَ لِلدُجى يُلقي عَلَيهِ خُشوعَهُ◆وَالصُبحُ يَسكُبُ وَهوَ يَضحَكُ نورُهُ
  25. 25
    أَمَرَجتَ أَنتَ مِياهَهُ أَصَبَغتَ أَن◆تَ رِمالَهُ أَجَبَلتَ أَنتَ صُخورَهُ
  26. 26
    هُوَ لِلرِياحِ تَهُزُّهُ وَتُثيرُهُ◆وَالشُهبُ تَسمَعُ في الظَلامِ زَئيرَهُ
  27. 27
    لِلطَيرِ هائِمَةً بِهِ مَفتونَةً◆لا لِلَّذين يُرَوِّعونَ طُيورَهُ
  28. 28
    لِلشعِرِ المَفتونِ يُخلَقُ لاهِياً◆مِن مَوجِهِ حوراً وَيَعشَقُ حورَهُ
  29. 29
    وَلِمَن يُشاهِدُ فيهِ رَمزَ كَيانِهِ◆وَلِمَن يُجيدُ لِغَيرِهِ تَصويرَهُ
  30. 30
    يا مَن يَصيدُ الدُرَّ مِن أَعمقِهِ◆أَخَذَت يَداكَ مِنَ الجَليلِ حَقيرَهُ
  31. 31
    لا تَدَّعيهِ فَلَيسَ يُملَكُ إِنَّهُ◆كَالرَوضِ جَهدُكَ أَن تَشِمَّ عَبيرَهُ
  32. 32
    وَمَرَرتُ بِالجَبَلِ الأَشَمِّ فَما زَوى◆عَنّي مَحاسِنَهُ وَلَستُ أَميرا
  33. 33
    وَمَرَرتَ أَنتَ فَما رَأَيتَ صُخورَهُ◆ضَحِكَت وَلا رَقَصَت لَدَيكَ حُبورا
  34. 34
    وَلَقَد نَقَلتُ لِنَملِهِ ما تَدَّعي◆فَتَعَجَّبَت مِمّا حَكَيتَ كَثيرا
  35. 35
    قالَت صَديقُكَ ما يَكونُ أَقَشعَماً◆أَم أَرقَماً أَم ضَيغَماً هَيصورا
  36. 36
    أَيَحوكُ مِثلَ العَنكَبوتِ بُيوتَهُ◆حَوكاً وَيَبني كَالنُسورِ وُكورا
  37. 37
    هَل يَملَءُ الأَغوارَ تِبراً كَالضُحى◆وَيَرُدُّ كَالغَيثِ المَواتَ نَضيرا
  38. 38
    أَيَلُفُّ كَاللَيلِ الأَباطِحِ وَالرُبى◆وَالمَنزِلَ المَعمورَ وَالمهجورا
  39. 39
    فَأَجَبتُها كَلّا فَقالَت سَمِّهِ◆في غَيرِ خَوفٍ كائِناً مَغرورا
  40. 40
    فَاِحتَدَمَ السُلطانُ أَيَّ اِحتِدام◆وَلاحَ حُبُّ البَطشِ في مُقلَتَيه
  41. 41
    وَصاحَ بِالجَلّادِ هاتِ الحُسام◆فَأَسرَعَ الجَلّادُ يَسعى إِلَيه
  42. 42
    فَقالَ دَحرِج رَأسَ هَذا الغُلام◆فَرَأسُهُ عِبءٌ عَلى مَنكِبَيه
  43. 43
    قَد طُبِعَ السَيفُ لِحَزِّ الرِقاب◆وَهَذِهِ رَقبَةُ ثَرثارِ
  44. 44
    أُقتُلهُ وَاِطَرَح جِسمَهُ لِلكِلاب◆وَلتَذهَبِ الروحُ إِلى النارِ
  45. 45
    سَمعاً وَطَوعاً سَيِّدي وَاِنتَضى◆عَضباً يَموجُ المَوتُ في شَفرَتَيه
  46. 46
    وَلَم يَكُن إِلّا كَبَرقٍ أَضا◆حَتّى أَطارَ الرَأسَ عَن مَنكِبَيه
  47. 47
    فَسَقَطَ الشاعِرُ مُعرَورِضا◆يُخَدِّشُ الأَرضَ بِكِلتا يَدَيه
  48. 48
    كَأَنَما يَبحَثُ عَن رَأسِهِ◆فَاِستَضحَكَ السُلطانُ مِن سَجدَتِه
  49. 49
    ثُمَّ اِستَوى يَهمُسُ في نَفسِهِ◆ذو جَنَّةٍ أَمسى بِلا جَنَّتِه
  50. 50
    أَجَل هَكَذا هَلَكَ الشاعِرُ◆كَما يَهلِكُ الآثِمُ المُذنِبُ
  51. 51
    فَما غَصَّ في رَوضَةٍ طائِرٌ◆وَلَم يَنطَفِئ في السَما كَوكَبُ
  52. 52
    وَلا جَزِعَ الشَجَرُ الناضِرُ◆وَلا اِكتَأَبَ الجَدوَلُ المُطرَبُ
  53. 53
    وَكوفِئَ عَن قَتلِهِ القاتِلُ◆بِمالٍ جَزيلٍ وَخَدٍّ أَسيل
  54. 54
    فَقالَ لَهُ خُلقُهُ السافِلِ◆أَلا لَيتَ لي كُلَّ يَومٍ قَتيل
  55. 55
    في لَيلَةٍ طامِسَةِ الأَنجُمِ◆تَسَلَّلَ المَوتُ إِلى القَصرِ
  56. 56
    بَينَ حِرابِ الجُندِ وَالأَسهُمِ◆وَالأَسيُفِ الهِندِيَّةِ الحُمرِ
  57. 57
    إِلى سَريرِ المُلكِ الأَعظَمِ◆إِلى أَميرِ البَرِّ وَالبَحرِ
  58. 58
    فَفارَقَ الدُنيا وَلَمّا تَزَل◆فيها خُمورٌ وَأَغاريدُ
  59. 59
    فَلَم يَمِد حُزناً عَلَيهِ الجَبَل◆وَلا ذَوى في الرَوضِ أُملودُ
  60. 60
    في حَومَةِ المَوتِ وَظِلِّ البِلى◆قَدِ يلتَقى السُلطانُ وَالشاعِرُ
  61. 61
    هَذا بِلا مَجدٍ وَهَذا بِلا◆ذُلٍّ فَلا باغٍ وَلا ثائِرُ
  62. 62
    عانَقَتِ الأَسمالُ تِلكَ الحِلى◆وَاِصطَحَبَ المَقهورُ وَالقاهِرُ
  63. 63
    لا يَجزَعُ الشاعِرُ أَن يُقتَلا◆لَيسَ وَراءَ القَبرِ سَيفٌ وَرُمح
  64. 64
    وَلا يُبالي ذاكَ أَن يُعذَلا◆سِيّانِ عِندَ المَيتِ ذَمٌّ وَمَدح
  65. 65
    وَتَوالَتِ الأَجيالُ تَطَّرِدُ◆جيلٌ يَغيبُ وَآخَرٌ يَفِدُ
  66. 66
    أَخَنتُ عَلى القَصرِ المَنيفِ فَلا◆الجُدرانُ قائِمَةٌ وَلا العُمُدُ
  67. 67
    وَمَشَت عَلى الجيشِ الكَثيفِ فَلا◆خَيلٌ مُسَوَّمَةٌ وَلا زُردُ
  68. 68
    ذَهَبَت بِمَن صَلُحوا وَمَن فَسَدوا◆وَمَضَت بِمَن تَعيسوا وَمَن سَعِدوا
  69. 69
    وَبِمَن أَذابَ الحُبَّ مُهجَتَهُ◆وَبِمَن تَأَكَّلَ قَلبَهُ الحَسَدُ
  70. 70
    وَطَوَت مُلوكاً ما لَهُم عَدَدٌ◆فَكَأَنَّهُم في الأَرضِ ما وُجِدوا
  71. 71
    وَالشاعِرُ المَقتولُ باقِيَةٌ◆أَقوالُهُ فَكَأَنَّها الأَبَدُ
  72. 72
    الشَيخُ يَلمُسُ في جَوانِبِها◆صُوَرَ الهَوى وَالحِكَمَةَ الوَلدُ