أظل الوجود المساء الحزين

أبو القاسم الشابي

45 verses

Era:
العصر الحديث
Meter:
بحر المتقارب
  1. 1
    أَظَلَّ الوُجُودَ المساءُ الحزينُ◆وفي كفِّهِ معْزَفٌ لا يُبينْ
  2. 2
    وفي ثَغرهِ بَسَماتُ الشُّجونِ◆وفي طَرفِهِ حَسَراتُ السِّنينْ
  3. 3
    وفي صدرِهِ لوعةٌ لا تَقِرُّ◆وفي قلبِهِ صَعَقَاتُ المَنونْ
  4. 4
    وقبَّلَهُ قُبَلاً صامِتاتٍ كما◆يَلْثُمُ الموتُ وَرْدَ الغُصُون
  5. 5
    وأَفضى إليه بوحْيِ النُّجُومِ◆وسِرِّ الظَّلامِ ولَحْنِ السُّكونْ
  6. 6
    وأَوْحى إليه مَزامِيرَهُ◆فغنَّتْ بها في الظَّلامِ الحُزُونْ
  7. 7
    وعَلَّمَهُ كيفَ تأسى النُّفوسُ◆ويَقضي يَؤوساً لديها الحَنينْ
  8. 8
    وأَسْمَعَهُ صَرَخاتِ القُلُوبِ◆وأَنْهَلَهُ مِنْ سُلافِ الشُّؤونْ
  9. 9
    فأَغفى على صدرِهِ المطمَئِنِّ◆وفي روحِهِ حُلُمٌ مُسْتَكينْ
  10. 10
    قويٌّ غَلُوبٌ كسِحْرِ الجُفُونِ◆شجيٌّ لَعوبٌ كزهرٍ حَزينْ
  11. 11
    ضَحوكٌ وقد بلَّلتهُ الدُّموعُ◆طَرُوبٌ وقد ظَلَّلَتْهُ الشُّجُونْ
  12. 12
    تعانِقُهُ سَكَراتُ الهَوَى◆وتحضُنُهُ شَهَقَاتُ الأَنينْ
  13. 13
    يُشابِهُ روحَ الشَّبابِ الجميلِ◆إِذا مَا تأَلَّقَ بَيْنَ الجُّفونْ
  14. 14
    أَعادَ لنفسي خَيالاً جميلاً◆لَقَدْ حَجَبَتْهُ صُرُوفُ السِّنينْ
  15. 15
    فَطَافَتْ بها هَجَسَاتُ الأَسى◆وعادَتْ لها خُطُواتُ الجُنُونْ
  16. 16
    أَظَلَّ الفضاءَ جناحُ الغروبِ◆فأَلقى عليهِ جمالاً كَئيبْ
  17. 17
    وأَلبَسَهُ حُلَّةً من جَلالٍ شجيٍّ◆قويٍّ جميلٍ غَلُوبْ
  18. 18
    فنامَتْ على العُشْبِ تِلْكَ الزُّهُورُ◆لمرأَى المساءِ الحزينِ الرَّهيبْ
  19. 19
    وآبَتْ طيورُ الفضاءِ الجميلِ◆لأوكارِها فرِحاتِ القُلُوبْ
  20. 20
    وقدْ أَضمرَتْ بأَغاريدها◆خيالَ السَّماءِ الفسيح الرَّحيبْ
  21. 21
    وَوَلَّى رُعاةُ السَّوامِ إلى الحيِّ◆يُزْجُونها في صُماتِ الغُروبْ
  22. 22
    فتَثْغُو حنيناً لحِمْلانِها◆وتقطفُ زهرَ المُروجِ الخَصيبْ
  23. 23
    وهمْ يُنشِدونَ أَهازيجَهمْ بصوتٍ◆بهيجٍ فَرُوحٍ طَرُوبْ
  24. 24
    ويَسْتَمْنِحونَ مزاميرهم◆فتمنحُهُمْ كُلَّ لحنٍ عجيبْ
  25. 25
    تطيرُ بهِ نَسَماتُ الغروبِ◆إلى الشَّفقِ المُسْتَطيرِ الخَلُوبْ
  26. 26
    وتوحي لهم نَظَرَاتُ الصَّبايا◆أَناشيدَ عهدِ الشَّبابِ الرَّطيبْ
  27. 27
    وأَقْبَلَ كُلٌّ إلى أهلِهِ◆سِوَى أملي المستطارِ الغَريبْ
  28. 28
    فقد تاهَ في مَعْسَباتِ الحَيَاة◆وسُدَّتْ عليه مناجي الدُّروبْ
  29. 29
    وظلَّ شَريداً وحيداً بعيداً◆يُغالبُ عُنْفَ الحَيَاةِ العَصيبْ
  30. 30
    وقد كانَ مِنْ قبلُ ذا غبطةٍ◆يُرفرفُ حولَ فؤادي الخَصيبْ
  31. 31
    ولمَّا أَظلَّ المَساءُ السَّماءَ◆وأسكَرَ بالحُزْنِ روحَ الوُجُودْ
  32. 32
    وقفتُ وساءلتُهُ هل يَؤوبُ لقلبي◆رَبيعُ الحَيَاةِ الشَّرودْ
  33. 33
    فَتَخْفُقُ فيه أَغاني الورودِ◆ويخضرُّ فِرْدَوْسُ نفسي الحَصيدْ
  34. 34
    وتختالُ فيهِ عَروسُ الصَّباحِ◆وتمرَحُ نَشْوَى بذاكَ النَّشيدْ
  35. 35
    ويَرجعُ لي مِنْ عِراصِ الجحيمِ◆سلامُ الفؤادِ الجميلُ العهيدْ
  36. 36
    فقد كبَّلَتْهُ بَناتُ الظَّلامِ◆وأَلقيْنَهُ في ظلامِ اللُّحودْ
  37. 37
    فأَصْغى إلى لَهَفي المستمرِّ◆وخاطَبَني مِنْ مكانٍ بعيدْ
  38. 38
    تَعودُ ادِّكاراتُ ذاكَ الهَوَى◆ولكنَّ سِحْرَ الهَوَى لا يَعودْ
  39. 39
    فجَاشَتْ بنفس مآسي الحَيَاةِ◆وسخطُ القُنُوطِ القويِّ المُريدْ
  40. 40
    ولمَّا طَغَتْ عَصَفاتُ القُنُوط◆فمادتْ بكلِّ مَكِينٍ عَتيدْ
  41. 41
    أَهَبْتُ بقلبي الهلوعِ الجزوعِ◆وكانَ مِنْ قبلُ جَلْداً شَديدْ
  42. 42
    تجلَّدْ ولا تَسْتَكِنْ للَّيالي◆فما فازَ إلاَّ الصَّبورُ الجَليدْ
  43. 43
    ولا تَأْسَ مِنْ حادِثاتِ الدُّهُورِ◆فخَلْفَ الدَّياجيرِ فَجْرٌ جَديدْ
  44. 44
    ولولا غيومُ الشِّتاءِ الغِضابُ◆لما نَضَّدَ الرَّوضُ تِلْكَ الوُرودْ
  45. 45
    ولولا ظَلامُ الحَيَاةِ العَبُوسُ◆لما نَسَجَ الصُّبْحُ تِلْكَ البُرُودْ