أتفنى ابتسامات تلك الجفون

أبو القاسم الشابي

70 verses

Era:
العصر الحديث
Meter:
بحر المتقارب
  1. 1
    أتفنى ابتِساماتُ تِلْكََ الجفونِ◆ويَخبو توهُّجُ تِلْكََ الخدودْ
  2. 2
    وتذوي وُرَيْداتُ تِلْكَ الشِّفاهِ◆وتهوي إلى التُّرْبِ تِلْكَ النَّهودْ
  3. 3
    وينهدُّ ذاك القوامُ الرَّشيقُ◆وينحلُّ صَدْرٌ بديعٌ وَجيدْ
  4. 4
    وتربَدُّ تِلْكََ الوُجوهُ الصِّباحُ◆وفتنةُ ذاكَ الجمال الفَريدْ
  5. 5
    ويغبرُّ فرعٌ كجنْحِ الظَّلامِ◆أنيقُ الغدائرِ جَعْدٌ مَديدْ
  6. 6
    ويُصبحُ في ظُلُماتِ القبورِ◆هباءً حقيراً وتُرْباً زهيدْ
  7. 7
    وينجابُ سِحْرُ الغرامِ القويِّ◆وسُكرُ الشَّبابِ الغريرِ السَّعيدْ
  8. 8
    أتُطوَى سَمواتُ هذا الوجود◆ويذهبُ هذا الفضاءُ البعيدْ
  9. 9
    وتَهلِكُ تِلْكََ النُّجومُ القُدامى◆ويهرمُ هذا الزَّمانُ العَهيدْ
  10. 10
    ويقضي صَباحُ الحياةِ البديعُ◆وليلُ الوجودِ الرهيبُ العتيدْ
  11. 11
    وشمسٌ توشِّي رداءَ الغمامِ◆وبدرٌ يضيءُ وغيمٌ يجودْ
  12. 12
    وضوءٌ يُرَصِّع موجَ الغديرِ◆وسِحْرٌ يطرِّزُ تِلْكَ البُرودْ
  13. 13
    وبحرٌ فسيحٌ بعيدُ القرارِ◆يَضُجُّ ويَدْوي دويَّ الوليدْ
  14. 14
    وريحٌ تمرُّ مُرورَ الملاكِ◆وتخطو إلى الغابِ خَطْوَ الرُّعودْ
  15. 15
    وعاصفةٌ من نباتِ الجحيم◆كأنَّ صَداها زَئيرُ الأسودْ
  16. 16
    تَعجُّ فَتَدْوي حنايا الجبال◆وتمشي فتهوي صُخورُ النُّجودْ
  17. 17
    وطيرٌ تغنِّي خِلالَ الغُصونِ◆وتَهْتِفُ للفجرِ بَيْنَ الورودْ
  18. 18
    وزهرٌ ينمِّقُ تِلْكََ التِّلالَ◆ويَنْهَلُ من كلِّ ضَوءٍ جَديدْ
  19. 19
    ويعبَقُ منه أريجُ الغَرامِ◆ونَفْحُ الشَّبابِ الحَيِيِّ السَّعيدْ
  20. 20
    أيسطو على الكُلِّ ليلُ الفناء◆ليلهو بها الموتُ خَلْفَ الوجود
  21. 21
    ويَنْثُرَها في الفراغِ المُخيفِ◆كما تنثرُ الوردَ ريحٌ شَرودْ
  22. 22
    فينضُبُ يمُّ الحياةِ الخضمُّ◆ويخمدُ روحُ الرَّبيعِ الوَلودْ
  23. 23
    فلا يلثمُ النُّورُ سِحْرَ الخُدودِ◆ولا تُنْبِتُ الأرضُ غضَّ الورودْ
  24. 24
    كبيرٌ على النَّفسِ هذا العفاءُ◆وصَعْبٌ على القلبِ هذا الهمودْ
  25. 25
    وماذا على القَدَر المستَمرِّ◆لوِ اسْتمرَأ النَّاسُ طعمَ الخلودْ
  26. 26
    ولم يُخْفَروا بالخرابِ المحيط◆ولم يُفْجَعوا في الحبيب الودودْ
  27. 27
    ولم يسلكوا للخُلود المرجَّى◆سبيلَ الرّدى وظَلامَ اللّحودْ
  28. 28
    فَدامَ الشَّبابُ وسِحْرُ الغرامِ◆وفنُّ الرَّبيعِ ولُطفُ الورودْ
  29. 29
    وعاش الوَرَى في سلامٍ أمينٍ◆وعيشٍ غضيرٍ رخيٍّ رغيدْ
  30. 30
    ولكنْ هو القَدَرُ المستبدُّ◆يَلذُّ له نوْحُنا كالنَّشيدْ
  31. 31
    تَبَرَّمْتَ بالعيشِ خوفَ الفناءِ◆ولو دُمْتُ حيًّا سَئمتَ الخلودْ
  32. 32
    وعِشْتَ على الأَرضِ مثل الجبال◆جليلاً رهيباً غريباً وَحيدْ
  33. 33
    فَلَمْ تَرتشفْ من رُضابِ الحياة◆ولم تصطَبحْ من رَحيق الوجودْ
  34. 34
    وما نشوةُ الحبِّ عندَ المحبِّ◆وما سِحْرُ ذاك الرَّبيعِ الوليدْ
  35. 35
    ولم تدرِ مَا فتنةُ الكائناتِ◆وما صرخَةُ القلبِ عندَ الصّدودْ
  36. 36
    ولم تفتكر بالغَدِ المسترابِ◆ولم تحتفل بالمرامِ البعيدْ
  37. 37
    وماذا يُرجِّي ربيبُ الخلودِ◆من الكونِ وهو المقيمُ العهيدْ
  38. 38
    وماذا يودُّ وماذا يخافُ◆من الكونِ وهو المقيمُ الأَبيدْ
  39. 39
    تأمَّلْ فإنَّ نِظامَ الحياةِ◆نِظامٌ دقيقٌ بديعٌ فريدْ
  40. 40
    فما حبَّبَ العيشَ إلاَّ الفناءُ◆ولا زانَه غيرُ خوفِ اللُّحودْ
  41. 41
    ولولا شقاءُ الحياةِ الأليمِ◆لما أَدركَ النَّاسُ معنى السُّعودْ
  42. 42
    ومن لم يرُعْهُ قطوبُ الدّياجيرِ◆لَمْ يغتبط بالصَّباحِ الجديدْ
  43. 43
    إِذا لم يكن مِنْ لقاءِ المنايا◆مَناصٌ لمَنْ حلَّ هذا الوجودْ
  44. 44
    فأيّ غِنَاءٍ لهذي الحياة◆وهذا الصِّراعِ العنيفِ الشَّديدْ
  45. 45
    وذاك الجمالِ الَّذي لا يُملُّ◆وتلكَ الأَغاني وذاك النَّشيدْ
  46. 46
    وهذا الظَّلامِ وذاك الضِّياءِ◆وتلكَ النُّجومِ وهذا الصَّعيدْ
  47. 47
    لماذا نمرُّ بوادي الزَّمانِ◆سِراعاً ولكنَّنا لا نَعودْ
  48. 48
    فَنَشْرَبَ مِنْ كلِّ نبعٍ شراباً◆ومنهُ الرَّفيعُ ومنه الزَّهيدْ
  49. 49
    ومِنْهُ اللَّذيذُ ومِنْهُ الكَريهُ◆ومِنْهُ المشِيدُ ومِنْهُ المبيدْ
  50. 50
    ونَحْمِلُ عبْئاً من الذّكرياتِ◆وتلكَ العهودِ الَّتي لا تعودْ
  51. 51
    ونشهدُ أشكالَ هذي الوجوهِ◆وفيها البَديعُ وفيها الشَّنيعُ
  52. 52
    وفيها الوديعُ وفيها العنيدْ◆فيُصبحُ منها الوليُّ الحميمُ
  53. 53
    ويصبحُ منها العدوُّ الحقُودْ◆وكلٌّ إِذا مَا سألنا الحَيَاةَ
  54. 54
    غريبٌ لعَمْري بهذا الوجودْ◆أتيناه من عالمٍ لا نراه
  55. 55
    فُرادى فما شأْنُ هذي الحقُودْ◆وما شأْنُ هذا العَدَاءِ العنيفِ
  56. 56
    وما شأْنُ هذا الإِخاءِ الوَدودْ◆خُلِقنا لنبلُغَ شأْوَ الكمالِ
  57. 57
    وَنُصبح أهلاً لمجدِ الخُلُودْ◆وتطهر أرواحنا في الحياة
  58. 58
    بنار الأسى◆ونَكْسَبَ مِنْ عَثَراتِ الطَّريقِ
  59. 59
    قُوًى لا تُهدُّ بدأْبِ الصُّعودْ◆ومجداً يكون لنا في الخلود
  60. 60
    أَكاليلَ من رائعاتِ الوُرودْ◆ولكنْ إِذا مَا لبسنا الخلودَ
  61. 61
    ونِلنا كمالَ النُّفوسِ البعيدْ◆فهلْ لا نَمَلُّ دَوَامَ البقاءِ
  62. 62
    وهلْ لا نَوَدُّ كمالاً جديدْ◆وكيف يكوننَّ هذا الكمالُ
  63. 63
    وماذا تُراهُ وكيفَ الحُدودْ◆وإنَّ جمالَ الكمالِ الطُّموحُ
  64. 64
    وما دامَ فكراً يُرَى من بعيدْ◆فما سِحْرُهُ إنْ غدا واقعاً
  65. 65
    يُحَسُّ وأَصبحَ شيئاً شهيدْ◆وهلْ ينطفي في النُّفوسِ الحنينُ
  66. 66
    وتُصبحُ أَشواقُنا في خُمودْ◆فلا تطمحُ النَّفْسُ فوقَ الكمالِ
  67. 67
    وفوقَ الخلودِ لبعضِ المزيدْ◆إِذا لم يَزُل شوقُها في الخلودِ
  68. 68
    فذلك لعَمْري شقاءُ الجُدودْ◆وحربٌ ضروسٌ كما قَدْ عهدنُ
  69. 69
    ونَصْرٌ وكسرٌ وهمٌّ مديدْ◆وإنْ زالَ عنها فذاكَ الفناءُ
  70. 70

    وإنْ كان في عَرَصَاتِ الخُلودْ